أخبار أخرى [email protected] بقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة خطأ واحد ارتكبته نخبة بعينها، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل تداخلت فيه سياسات الاستعمار مع إخفاقات ما بعد الاستقلال، حتى أصبح هذا الشعب وكأنه محكوم بأن يدفع ثمن اختيارات لم يُستشر فيها، وأخطاء لم يكن شريكًا في صنعها.
فالحظ العاثر الذي يلاحق جنوب السودان ليس قدرًا سماويًا، بقدر ما هو نتيجة تراكمات بشرية وسياسية كان يمكن تفادي كثير منها لو توفرت الإرادة والرؤية.
منذ بدايات الحكم الثنائي، وُضع جنوب السودان في هامش متعمد من خارطة التطور.
لم يكن ذلك ناتجًا عن إهمال إداري أو ضعف إمكانيات، بل كان سياسة واعية انتهجتها الإدارة البريطانية، تقوم على تعطيل التعليم، وتقييد فرص التكوين المعرفي، وخلق فاصل ثقافي ونفسي بين الجنوب والشمال.
فقد رأت بريطانيا أن وحدة الوعي بين شطري السودان تمثل خطرًا مباشرًا على استمرار نفوذها، وأن التعليم، بقدر ما هو أداة تنمية، هو أيضًا أداة تحرر.
لهذا السبب، أُبقي جنوب السودان خارج مسار التحديث الذي عرفته مناطق أخرى، ليس لأن أهله أقل قدرة أو استعدادًا، بل لأن الاستعمار خشي من نتائج وعيهم.
فشعبٌ متعلم، واعٍ بحقوقه، ومتصالح مع ذاته، لا يمكن التحكم فيه بسهولة، ولا يمكن ضمان ولائه الدائم.
وهكذا، زُرعت بذور الاختلال الأولى في بنية المجتمع الجنوبي، حيث خرج من حقبة الاستعمار مثقلًا بالحرمان التعليمي، وضعف البنية الإدارية، وغياب النخب المؤهلة لإدارة الدولة.
بعد نهاية الحكم الثنائي، لم يرث الجنوب دولة قابلة للحياة، بل ورث فراغًا مؤسسيًا، ونخبة محدودة التكوين، وجراحًا اجتماعية عميقة.
وفي ظل هذا الواقع، دخل بعض أبنائه المعترك السياسي دون أدوات حقيقية للفهم والإدارة، فغلب الارتجال على التخطيط، وردّ الفعل على الفعل، وتحولت السياسة من فن إدارة الممكن إلى ساحة صراع على النفوذ والوجود.
ومع ذلك، لم يكن شعب جنوب السودان مجرد ضحية صامتة للتاريخ.
فقد بدأت ملامح الوعي القومي في التشكل مبكرًا، لا سيما عبر الحركة العمالية، التي لعبت دورًا مهمًا في تحويل المعاناة اليومية إلى وعي سياسي.
وكان عمال نسيج أنزارا مثالًا واضحًا على أن الوعي الوطني لا يولد فقط في مراكز التعليم، بل قد ينبثق من قسوة العمل، ومن الإحساس بالظلم، ومن الرغبة في الكرامة.
من تلك البيئات، انطلقت شرارة عام 1955، لتعلن بداية مرحلة جديدة في التعبير عن الرفض، وإن كانت أدواتها لا تزال بدائية.
لقد كشفت تلك المرحلة المبكرة عن مفارقة مؤلمة: شعب يمتلك إحساسًا عاليًا بالظلم، لكنه يفتقر إلى النخب القادرة على تحويل هذا الإحساس إلى مشروع سياسي متكامل.
وهذا الخلل، الذي صُنع في رحم الاستعمار، استمر لاحقًا بأشكال مختلفة، حيث ظلت السياسة في الجنوب تتقدم أسرع من الوعي المؤسسي، وظلت البندقية تسبق الفكرة، والحدث يسبق التخطيط.
إن أخطر ما خلّفته تلك السياسات الاستعمارية لم يكن فقط نقص التعليم، بل تشويه مفهوم الدولة ذاته.
فالدولة، في الوعي المبكر، لم تُفهم باعتبارها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، بل كأداة للسيطرة، أو غنيمة تُنتزع بالقوة.
هذا الفهم المشوّه، الذي وُلد في غياب مؤسسات تعليمية وسياسية راسخة، ظل يلاحق التجربة الجنوبية حتى بعد الاستقلال، وأعاد إنتاج نفسه في صراعات النخب، وفي ضعف الثقة بين المجتمع والدولة.
وحين ننظر اليوم إلى واقع جنوب السودان، لا يمكن فصل أزماته الحالية عن تلك الجذور.
فالفساد، والمحاصصة، والانقسامات القبلية، ليست ظواهر طارئة، بل امتدادات طبيعية لمسار لم يُصحَّح في الوقت المناسب.
فالدولة التي تُبنى دون تعليم كافٍ، ودون مؤسسات قوية، ودون ثقافة سياسية جامعة، تظل هشة، قابلة للانقسام عند أول اختبار حقيقي.
إن تحميل المسؤولية للاستعمار وحده سيكون تبسيطًا مخلًا، كما أن تحميلها للنخب الحالية فقط فيه تجاهل للتاريخ.
فالأزمة نتاج تفاعل بين ماضٍ صُنع بعناية لإضعاف الجنوب، وحاضرٍ فشل في كسر ذلك الإرث.
وبين هذا وذاك، ظل الشعب يدفع الثمن، مرة بالحرمان، ومرة بالحرب، ومرة بخيبة الأمل.
هذا المقال لا يسعى إلى اجترار الماضي من أجل البكاء عليه، بل لفهمه بوصفه مفتاحًا لتفكيك الحاضر.
فالأمم التي لا تراجع جذور أزماتها، محكوم عليها بإعادة إنتاجها بأشكال جديدة.
وجنوب السودان، إن أراد الخروج من دائرة الحظ العاثر، لا بد له أولًا أن يعترف بأن التخلف لم يكن صدفة، وأن معالجته لا تكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الوعي، والتعليم، والمؤسسات، على أسس جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك