يني شفق العربية - البيت الأبيض: ترامب يفضل الدبلوماسية مع إيران ولا يستبعد القوة يني شفق العربية - كندا تعلن عن مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة تقارب ملياري دولار العربي الجديد - المستشار الألماني يصل إلى بكين: سعي لفتح صفحة جديدة في العلاقات قناه الحدث - العراق يعلن عن خطة غير مسبوقة لتطوير مطار بغداد الدولي يني شفق العربية - "مستعدون لمساعدتكم".. الاستخبارات الأمريكية توجه رسالة للشعب الإيراني العربي الجديد - ترامب في أطول خطاب حالة الاتحاد: إيران تطور صواريخ تصل إلى أراضينا وكالة سبوتنيك - روسيا تطور أول قذيفة موجهة "كوب - 10 إم إي" يتجاوز مداها 100 كيلومتر قناه الحدث - إيران تصف اتهامات ترامب بشأن برنامجها الصاروخي بأنها "أكاذيب كبرى" سكاي نيوز عربية - مؤسسة غيتس تصدر بيانا بشأن "جرائم إبستين" قناة العالم الإيرانية - المحافل القرانية في شهر رمضان.. نفحات ايمانية تعم أجواء الشهر الفضيل
عامة

أعداء النجاح.. في ظاهرة الحسد السوداني بقلم

سودانايل الإلكترونية

﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.الحسد شعورٌ عاطفيّ يتمنّى صاحبه زوال نعمةٍ أو إنجازٍ أو ميزةٍ من غيره، وأن تزول عن الآخرين فحسب. وهو يختلف عن الغبطة التي تعني تمني النعمة دون زوالها عن ا...

ملخص مرصد
الحسد في السودان تحول من شعور فردي إلى ظاهرة اجتماعية متجذرة، حيث يتحول النجاح إلى مصدر للعداء بدلاً من الإلهام. ينتشر الحسد في السياسة والثقافة والعمل والعلاقات الاجتماعية، مما يعيق التقدم الوطني ويهدم الكفاءات. يحتاج المجتمع إلى ثقافة تقدير النجاح والمنافسة الشريفة بدلاً من الإقصاء والكراهية.
  • الحسد تحول من شعور فردي إلى ظاهرة اجتماعية متجذرة في السودان
  • ينتشر الحسد في السياسة والثقافة والعمل والعلاقات الاجتماعية
  • الظاهرة تعيق التقدم الوطني وتؤدي إلى إقصاء الكفاءات
من: المجتمع السوداني أين: السودان

﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.

الحسد شعورٌ عاطفيّ يتمنّى صاحبه زوال نعمةٍ أو إنجازٍ أو ميزةٍ من غيره، وأن تزول عن الآخرين فحسب.

وهو يختلف عن الغبطة التي تعني تمني النعمة دون زوالها عن المغبوط.

لكنّ الحسد، حين يستوطن النفس، يتحوّل إلى حقدٍ وكراهيةٍ عميقة تُطفئ البصيرة، وتزرع في القلب مرارةً لا تنتهي.

الحسد المذموم (الضار): كراهية الخير لغيرك وتمنّي زواله، وما يصاحبه من أذى وعداء.

الحسد المحمود (الإيجابي) أو الغبطة: أن تتمنى مثل نعمة الآخرين دون زوالها عنهم، فيتحول الشعور إلى طاقة إيجابية محفزة على السعي والاجتهاد والمنافسة الشريفة.

الحسد بما يصاحبه من حقدٍ وكراهية، ضاربٌ في عمق النفس الإنسانية منذ البدء.

فهو أول خطيئةٍ عرفها الوجود حين حسد إبليسُ آدمَ على منزلته، ثم تجلى في قصة قابيل وهابيل عندما حمل الحسدُ قابيلَ على قتل أخيه.

فكانت أول جريمة قتل في التاريخ، وكان باعثها الحسد المتحوّل إلى كراهية قاتلة.

لكن في السودان، لم يَعُد الحسد مجرّد عاطفة بشرية؛ بل تجاوز ذلك ليصبح نمطًا ثقافيًا متجذّرًا، مقرونًا بالكراهية والحقد، حتى كأنه سمة اجتماعية موروثة.

تسلّل إلى النفوس متخفيًا خلف المديح والغيرة “المشروعة”، ثم خرج إلى العلن في صورٍ متكررة: بين السياسيين والناشطين، وفي ميادين الفكر والثقافة والصحافة والشعر والفن والمجتمع، بل حتى في بيئات العمل وبين النساء والأصدقاء.

الحسد لا يُوجَّه لشخصٍ بعينه، بل لكل من ينجح.

فالنجاح لا يُقاس بما تُنجزه، بل بما تُثيره من الغيرة.

وهو طاقة كامنة للعداء ضد التميّز، تمتزج فيها الغيرة بالحقد، فتُغلق باب الإنصاف حتى يصبح الهدم أسهل من البناء.

إن الحسد حين يصاحبه الحقد والكراهية لا يهدم الأفراد فحسب، بل يسرق من الأمم مستقبلها.

لقد تحوّل الحسد في السودان من شأن فردي إلى جريمة جماعية ضد الوطن نفسه.

وكلّما صعد نجم أحدهم، تسابق الناس، لا لتكريمه، بل لتفكيك سيرته، ونبش ماضيه، وبث الشبهات حوله.

وإن لم يجدوا فيه عيبًا، اخترعوه.

فإذا سقط، هدأت النفوس واطمأنّت القلوب، يبدأ الدور ذاته مع ضحيةٍ جديدة.

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَهُ.

عبّر عدد من المفكرين والأدباء السودانيين عن ظاهرة الحسد بذكاء وسخرية، كلٌّ من زاويته:

الدكتور منصور خالد (مفكر ودبلوماسي وسياسي بارز) شبّه الحساد في السودان بـ“كلب القرية الذي يلهث خلف كل عربة مارة، فإذا توقفت صدّ عنها منتظرًا أخرى.

”.

الأديب عبدالله الطيب (لغوي وأديب ومفسّر وشاعر) لاحظ أن المثقف قد يتحوّل إلى ألدّ أعداء المثقف، وأن العقل المتعلّم قد يُصاب بأمراض العامة نفسها لكنه يبررها بذكاء أكبر.

وزاد ساخرًا: “إن بجزيرة العرب عشر قبائل اشتهرت بالحسد، هاجرت منها تسع إلى السودان! ”.

إبراهيم منعم منصور (وزير مالية سابق) روى أن المفتش الإنجليزي بيتر هوق قال لوالده منعم منصور، ناظر دار حمر: “الحسد منتشر بين السودانيين، مما يصعّب عليهم حكم أنفسهم.

”.

وأحد رجال الأعمال السودانيين وصف الحسد بأنه: “مثل من يتسابقون إلى قمة الجبل، فإذا تقدّمتهم لا ينافسونك في الصعود، بل يسحبونك من قدمك لتقع.

”.

في السياسة، لم نعد نختلف، بل نُقصي.

تُلغى الاتفاقيات لا لأنها ناقصة، بل لأن من صاغها ليس من “جماعتنا”.

تعمل الأحزاب كشلليات مغلقة، تتحالف لا من أجل الوطن، بل من أجل إقصاء الآخر.

لا مشروع وطني، بل سباق على من يبقى ومن يُبعد.

وفي بيئات العمل، تُبعد الكفاءات خوفًا من بروزها، وتُعطّل المواهب لأن نجاحها يزعج أصحاب الشجون الصغرى.

أما في عالم النساء الناجحات، فالقصة أكثر تعقيدًا: حسدٌ يتخفّى خلف المجاملة والنفاق الاجتماعي، حقدٌ يختبئ في الصمت، وكراهيةٌ تتنكر في ابتسامة.

صراعاتٌ خفية تستهلك طاقة مجتمعٍ بأكمله بدل أن تُستثمر في بنائه.

وقد تعددت وجوه الحسد: بين السياسيين في صراعات الإقصاء، وبين المثقفين في منافسات الظهور، وبين الفنانين في بسط النفوذ، وحتى بين النساء في ميادين الجمال والمكانة الاجتماعية.

ويمكن لأي مراقب أن يرى هذا الاتساع اليوم على منصات التواصل الاجتماعي: حيث تتزاحم أمامك صورٌ من الحسد والحقد والكراهية ما أنزل الله بها من سلطان.

مظاهر لا تفسير لها إلا أنّها امتداد لحالة اجتماعية متفشية.

هكذا أصبحنا بلدًا يطرد كفاءاته ببطء، ويعاقب المتفوق لأنه متفوق، ثم نتساءل ببراءة: لماذا لا نتقدم؟كيف لوطنٍ يخاف من متفوّقيه أكثر مما يخاف من فاسديه؟ فيخسر الجميع، والوطن أولهم.

الحسد إذا تحوّل إلى حقدٍ جماعي وكراهية، يصبح طاقة عداءٍ دائمة للتميّز، تشتت الناس عن البناء، وتدفعهم لمطاردة بعضهم البعض، فالأمم لا تنهض بالكراهية، بل بالتكامل.

ولا تصنع مستقبلها بالشماتة، بل بالاعتراف بفضل الناجحين ودعمهم.

﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض﴾.

تُذكّر هذه الآية بأن الفضل موزّع بعدلٍ إلهي لا يغيّره حسدٌ ولا تُبطله غيرة.

وما خُصّ به غيرك هو امتحانٌ لك: أتُحسَد أم تتعلّم؟فالسودان مشكلته ليست في موارده ولا جغرافيته، بل في عقولٍ وقلوبٍ تعمل لإسقاط الناجحين، وفي مجتمع يعاقب المختلف لأنه يفضح التقصير، ويحارب المتميز لأنه يذكّر غيره بجهله.

نحتاج إلى إدراك أن النجاح الجماعي يبدأ حين نتوقف عن إسقاط الناجحين.

ويبدأ ذلك بثقافة تعترف بالفضل، وتربّي الأجيال على الرضا، وعلى فهم الفارق بين الغبطة والحسد.

كما نحتاج إلى خطابٍ دينيٍّ راشد يعلي من قيمة الاجتهاد وتكافؤ الفرص، ويعيد الناس إلى ميزان العدل بدل المقارنات المَرَضية.

ولعلّ أول خطوةٍ في شفاء هذا الوطن المنهك، أن نكسر هذه العادة السامة: أن نبارك لا نحسد، أن نصلح لا نهدم، أن نصعد معًا لا نجرّ بعضنا إلى الأسفل.

فالوطن هو الخاسر حين تُهدم الجسور بين أبنائه، وتُستبدل روح المنافسة بروح الكراهية.

هذه ليست حكايات معزولة، بل ملامح لأزمة وعيٍ أعمق: أزمة مجتمعٍ لم يتعلّم بعد أن النجاح جماعي، وأن تفوق أحدنا لا ينتقص من الآخر.

وما لم نكسر هذه الدائرة المريضة، سيظل الوطن مكانًا يُقصى فيه المتميزون، ويُكرَّم فيه الفاسدون، وتظل الغيرة سياسةً رسمية، والحسد نظامَ حكمٍ غير معلن.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك