نتابع باهتمام كبير الأخبار التي تصلنا بين الحين والآخر عبر الوسائط المختلفة حول الخطوات الجادة التي تقوم بها وزارة التحوّل الرقمي في بلادنا، والتي أعلنت عن وضع خطة شاملة لتحويل السودان إلى مجتمع رقمي حديث.
وفي ذات السياق، تتداول التقارير حجم التكلفة العالية لإعادة إعمار المباني العامة والمؤسسات الحكومية التي دمرتها الحرب في ولاية الخرطوم على وجه الخصوص.
إن التفكير الجاد والسريع في هذه المرحلة المفصلية يجب ألا ينحصر في إعادة تشييد المباني كما كانت، بل في إعادة تصميم منظومة العمل الحكومي بأكملها.
فإعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وحديد، وإنما فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس رقمية حديثة تقلّل الاعتماد على المباني الضخمة القديمة والإجراءات الورقية المعقّدة.
إذا كانت كلفة إعادة الإعمار المادي مرتفعة، فإن كلفة التأخر في التحوّل الرقمي أعلى بكثير على المدى البعيد.
فالمؤسسة التي تعتمد على الأرشيف الورقي معرّضة للضياع في أي أزمة، أما المؤسسة الرقمية فبياناتها محفوظة ومؤمّنة وقابلة للاسترجاع من أي مكان.
وهنا يكمن الفارق بين إدارة تقليدية وإدارة عصرية.
إن تكريس الجهود نحو التحوّل الرقمي يعني:
•تقليل الإنفاق على البنية الإدارية التقليدية.
•تسريع تقديم الخدمات للمواطنين.
•تقليل الاحتكاك المباشر الذي يفتح أبواب الفساد.
•بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد في التخطيط السليم.
•إنشاء رقم وطني موحّد، وسجل مدني مُحدَّث، وبيانات دقيقة وآمنة، وتوزيع عادل للموارد، وسياسات قائمة على بيانات حقيقية.
كما أن إعادة بناء المؤسسات وفق مفهوم “الحكومة الرقمية” يتيح إمكانية العمل عن بُعد، وتوزيع الخدمات جغرافيًا دون الحاجة إلى تكدّس إداري في العاصمة، وهو ما ينسجم مع مبدأ العدالة في توزيع الخدمات ويعزّز الاستقرار الاجتماعي.
إن الحرب – رغم قسوتها – قد تفتح نافذة لإعادة التفكير.
والسؤال اليوم ليس: كم ستكلفنا إعادة المباني؟ بل: كيف نستثمر هذه اللحظة لبناء دولة أكثر كفاءة وأقل هشاشة؟التحوّل الرقمي ليس مشروع وزارة بعينها، بل مشروع دولة وهوية.
إنه إعلان انتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي.
ومن هنا فإن المطلوب ليس فقط خططًا معلنة، بل جداول زمنية واضحة، وتشريعات داعمة، وبنية تحتية معلوماتية آمنة تضمن حماية البيانات والسيادة الرقمية.
إما أن يعيد إنتاج النموذج الإداري القديم بتكلفة باهظة،
أو أن يؤسس لنموذج حديث يجعل من التقنية ركيزة للإعمار والاستقرار والنهضة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك