أدرج البرلمان الإسباني على جدول أعماله هذا الأسبوع مقترح قانون يدعو إلى حظر ارتداء البرقع والنقاب في الفضاءات العامة، في خطوة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي الإسباني، وكشفت في الوقت نفسه عن تقارب متسارع بين الحزب الشعبي المحافظ وحزب" فوكس" اليميني المتطرف.
وقد تقدم بالمبادرة حزب" فوكس" عبر مقترح لتعديل عدد من القوانين النافذة، من بينها القانون الجنائي، بحيث تُمنع تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة، مع فرض غرامات مالية قد تصل إلى 30 ألف يورو في حالات التكرار، وعقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات بحق من يفرض ارتداء هذه الملابس بالإكراه.
ويتضمن النص تعديلاً لقانون حقوق الأجانب لتسهيل ترحيل من تُصنَّف مخالفته ضمن" الخطيرة جداً".
غير أن اللافت لم يكن مضمون المقترح فحسب؛ فقد عرف عن حزب فوكس خطابه المتطرف تجاه الهجرة والأجانب عموماً، بل الحفاوة التي قوبل بها داخل صفوف الحزب الشعبي التقليدي، حيث سارع قادته، وفي مقدمتهم ألبرتو نونييث فيخو، إلى الترحيب بمناقشته.
ويأتي ذلك في سياق سياسي دقيق، إذ يعتمد مستقبل المحافظين في عدد من الأقاليم على دعم" فوكس"، ما يجعل من هذا الملف أرضية مشتركة لتعزيز التفاهم بين الطرفين.
ويتطلب قبول المقترح لمجرد دراسته أغلبية بسيطة في الجلسة العامة، وهو ما يجعله ممكناً إذا انضم حزب" جونتس" الكتالوني إلى معسكر المؤيدين، علماً بأنّ الحزب لم يحسم موقفه بعد، رغم مواقف سابقة أبدى فيها تشدداً حيال النقاب.
غير أن انتقال المبادرة إلى قانون نافذ يبدو مستبعداً في ظل رفض الحزبين المكوّنين للحكومة، الحزب الاشتراكي العمالي و" سومار"، اللذين يملكان أغلبية داخل هيئة رئاسة البرلمان القادرة على إبطاء المسار التشريعي أو تجميده.
وتعتبر الحكومة أن النص المطروح يصطدم بمبادئ دستورية واضحة، ولا سيما ما يتعلق بحظر التمييز وضمان حرية المعتقد.
وسبق للمحكمة العليا أن أبطلت قرارات بلدية سعت لمنع النقاب في مرافق عامة، مؤكدة أن أي تقييد في هذا المجال يتطلب أساساً قانونياً وطنياً واضحاً ومتناسباً.
لكن الجدل يتجاوز حدود الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.
فداخل المعسكر التقدمي نفسه برزت خلال السنوات الماضية مواقف متباينة: تيار يرى في النقاب رمزاً لانتقاص مكانة المرأة وضرورة منعه دفاعاً عن المساواة وحرية النساء، وتيار آخر يحذر من أن الخوض في هذه المسألة يمنح زخماً لخطابات إقصائية ويحوّل نقاشاً محدود الأثر إلى أداة استقطاب سياسي.
تجربة فرنسا قبل سنوات، حين أُقر حظر مماثل وسط انقسامات داخل اليسار، لا تزال حاضرة في الخلفية.
ورغم أن ارتداء البرقع والنقاب يظل محدود الانتشار في إسبانيا، فإن حضوره في النقاش العام يتضخم بفعل السياق السياسي.
فالحزب الشعبي يسعى لتثبيت تحالفاته الإقليمية، و" فوكس" يضع قضايا الهوية والهجرة في صلب استراتيجيته.
وفي المقابل، تحاول الحكومة تجنب الانجرار إلى معركة رمزية ترى أنها تصب في مصلحة خصومها.
وحتى لو حظي المقترح بالأغلبية اللازمة لبدء مناقشته، تبقى احتمالات إقراره ضئيلة قبل نهاية الولاية التشريعية، نظراً لسيطرة الحكومة على آليات إدارة المسار البرلماني، وإمكانية تمديد آجال تقديم التعديلات إلى أجل غير مسمى.
ومع ذلك، يبدو أن النقاش سيترك أثراً سياسياً يتجاوز مصير النص نفسه.
فبالنسبة إلى اليمين، يشكل الملف فرصة للتشكيك في التزام اليسار بالدفاع عن حقوق المرأة.
أما بالنسبة إلى الحكومة، فهو اختبار لقدرتها على التمسك بالضوابط الدستورية في مواجهة ضغوط الاستقطاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك