وفاة الأميركي روبرت دوفال (16 فبراير/شباط 2026) مُثيرة لتساؤلات، لعلّ أبرزها يكمن في تفكيرٍ بكيفية عيش يوميات متتالية، والعمر مديد، والاشتغال منعدم، فالشيخوخة قاسية، جسدياً على الأقل؟ دوفال، المحتفل بذكرى ولادته الـ95 في الخامس من يناير/كانون الثاني الفائت، يُقيم في حياة سيصنع جزءاً أساسياً من تفاصيلها وحكاياتها، وهوليوود وصناعتها السينمائية أساس تأريخ لسيرة فن وبلد.
استعادة أفلام له، لحظة إعلان نبأ رحيله، تُثير حيرة إزاء أي منها (الأفلام) الأقدر على كتابة، تجمع النقد بالرثاء.
أفلام عدّة لها مكانة في بلورة مفاهيم واشتغالات في سيرة الصناعة، متعاوناً بذلك مع سينمائيين، لتأمّلاتهم في أحوال الدنيا، كما في وقائع راهن وذاكرة، بصمات تصنع نقاشات، وترسم معالم لحظة ومسار.
وصفٌ له يقترب كثيراً من حقيقته: ممثلٌ يتمتع بعمر فني طويل، بشكل استثنائي (1962 ـ 2022)، يُعتبر أحد أعظم ممثّلي جيله، بتقديمه ملامحه، في أدوار مُساعدة ورئيسية، إلى أفلامٍ كلاسيكية.
مسألة تتكرّر مع رحيل شخصية سينمائية: اختيار أبرز الأفلام، المتعارف عليها، والأكثر جماهيرية.
حصول هذا في وسائل تواصل اجتماعي مُبرّر، فالغالبية كسولة في البحث في الذاكرة عن أفلام أخرى، لعلّها أفضل، أو ربما أهمّ بالنسبة إلى نمط الشغل، رغم عدم جماهيريتها.
عناوين صحافة أجنبية تكتفي بالأشهر، لأن الأشهر جاذبٌ للقراءة: وفاة روبرت دوفال تؤكّد المُكرّر، إذْ يكتفي محرّر/محرّرة خبر رحيله بـ" العرّاب" و" القيامة الآن"، علماً أنّ دوريه هذين يحضران في المسافة الوسطى بين البطولة والدور المُساعد.
ففي الجزئين الأولين (1972، 1974) من ثلاثية فرنسيس فورد كوبولا، يؤدّي دوفال دور توم هاغن، " كونسيلياري"، أي مستشار العرّابَيْن الأب فيتو كورليوني (مارلون براندو)، ثم ابنه مايكل (آل باتشينو).
وفي" تحفة" كوبولا نفسه، " القيامة الآن" (1979)، سيكون المُقدَّم بِل كيلغور، الذي له جملة ثابتة في ذاكرة السينيفيليين وغيرهم: " (إنّه) النابالم يا رجل.
لا شيء آخر في العالم يضاهي رائحته.
أعشق رائحة النابالم في الصباح الباكر.
ذات مرة، أسقطنا كمية هائلة من القنابل، في 12 ساعة متواصلة.
عندما ذهبنا للتأكّد، لم نجد جثة واحدة من الفيتكونغ.
لم يبقَ أحد.
الأبخرة مُسكرة.
ذاك البنزين، رائحته زكية.
رائحة التلّ.
من التلّ تفوح رائحة.
النصر.
سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرب".
لكن دوفال غير مُقيّد بهاتين اللوحتين السينمائيتين، اللتين تشرّحان بينانَ آدميٍّ، مُقيم في بحر الظلمات، أو في قلب الخراب/الجريمة.
لائحة أفلامه الطويلة تقول إنّ في سيرته أكثر من فيلم يُشاهَد مراراً، لما يمنحه (الفيلم) من متعة تأمّل ومتابعة ومشاركة في السياق الدرامي غالباً، ولما يُقدّمه دوفال من حركات تُكمِل كل شخصية يؤدّيها، إنْ يكن الفيلم تشويقاً تجارياً مُتقن الصُنعة، كما في Gone in Sixty Seconds (إنتاج عام 2000) لدومينيك سينا، و" جاك ريتشر" (2021) لكريستوفر ماك كاري؛ أو نتاجاً تلتقي فيه جماليات السينما، ذات المساءلات الأخلاقية والبشرية والحياتية (وغيرها)، بما يُمكن أن يكون شعبياً، كـ The Paper (إنتاج عام 1994) لرون هاورد، الغائص في عالم الصحافة الورقية، والنزاعات الحاصلة فيها، وآليات الاشتغال المهني والأخلاقي في مواجهة قضايا مختلفة.
تأديته أدواراً لافتة للانتباه، في أفلام تحضر في تاريخ الفن السابع بصفتها علامات أساسية في صناعة الصورة التي تروي حكاية، أو تلتقط حالة، أو تقرأ نقداً لواقع آني أو قديم، هذه التأدية غير حاجبة قدرته على جعل أي شخصية، مساعدة غالباً، في أفلام أقلّ أهمية، أو تجارية بحتة، نموذجاً لمعنى التمثيل، أو ترجمة عادية لامتلاكه جمالية الأداء، إذْ" يعجز"، في حالة كهذه، عن الخروج من ذاته، إكراماً لدور غير مؤثّر، أو ربما يكون عابراً، لإدراكه أنّ التمثيل مهنة واحتراف وجماليات، ومن يمتلك هذا كلّه لن يتنازل عنه من أجل شيءٍ، أو أحد.
وإذْ يبدو حضوره أنيقاً في جعل كلّ شخصية فعلاً سينمائياً، غير مُكتفٍ بمهنة الأداء، فإنّ اختباراته الأعمق والأهم من التجاري، الناجح أو العابر، تزيده براعة، وإبهاراً غالباً، في ظهوره، وإنْ لدقائق، في فيلم.
تعاونه مع كوبولا إضافة لهما، لكنّه (التعاون) ليس محصوراً به (كوبولا)، فلدوفال اختبارات، تتساوى بجمالياتها مع تُحفتي كوبولا، الذي يتعاون معه قبلهما في The Rain People (إنتاج 1969).
جماليات تتساوى مع اشتغالات كوبولا، وربما تتفوّق عليهما أحياناً: " ماش" (1970) لروبرت ألتمان، وTHX 1138 (إنتاج 1971) لجورج لوكاس، وهذا قبل أول" عرّاب" يساهم في صُنع حِرفيته الأدائية، وآلية امتثاله لأحوال الشخصية، في تاريخها وتركيبتها النفسية والأخلاقية والجسدية.
أفلام أخرى يصنع بفضلها ذاك الحضور البهيّ، وبعضها لكوبولا، المخرج الوحيد (ربما) الذي يُدرك خفايا دوفال، فيكشفها (أو يكشف بعضها على الأقل) للاستعانة بها في صنع سينما صادقة وشفّافة وقاسية في إبراز حقائق ووقائع.
مع هذا، هناك أيضاً سام بكنباه وسيدني لوميت وفيليب كوفمان وباري ليفنسون وغيرهم، مع التنبّه إلى تعاونه مع الألماني فولكر شلوندورف في" حكاية الخادمة" (1990).
لائحة أفلامه طويلة.
هذا يعني أنّ اشتغاله مُثير لقراءات أخرى، تخرج من وداعه لحظة رحيله، كي تختبر مسارات حياة وعلاقات وجماليات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك