في عالم باتت فيه الشاشات أعيننا على الحقيقة، يبرز تساؤلٌ وجودي تصدّر تقرير الكاتب تشارلز هومانز في صحيفة" نيويورك تايمز" الذي نشر مؤخرا: " هل لا تزال الرؤية تعني التصديق؟ " والإجابة، كما يكشف التقرير، معقدة ومخيفة في آن واحد.
يبدأ الكاتب برصد حالة من الذعر اجتاحت أوساط صناعة السينما، بعدما نشر المخرج الأيرلندي روري روبنسون مقطعي فيديو عاليي الواقعية تم إنتاجهما بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي باستخدام أداة" سي دانس 2.
0" (Seedance 2.
0)، وهي أداة من شركة" بايت دانس" الصينية.
ويذكر أن" سيدانس 2" هي النسخة الأحدث من نماذج توليد الفيديو التي أطلقتها" بايت دانس" (الشركة الأم لتيك توك)، وهي المنافس القوي لنماذج" سورا" من" أوبن إيه آي" (OpenAI).
والفيديو الذي أظهر النجمين توم كروز وبراد بيت في مشاجرة سينمائية فوق أحد الأسطح، لم يكن مجرد عرض تقني، بل كان بمنزلة" ناقوس خطر" دفع كتاب سيناريو أميركيين مثل ريت ريس للقول صراحة: " يبدو أن الأمر قد انتهى بالنسبة لنا".
مينيابوليس.
حين تنقذ الكاميرا الحقيقة.
على الوجه الآخر من الصورة، تبرز قوة الفيديو بوصفه أداة للمساءلة، إذ يسلط تقرير هومانز الضوء على تراجع توم هومان -المسؤول عن ملف الحدود في إدارة ترمب- عن استمرار العمليات الفدرالية في ولاية مينيسوتا.
وهذا التراجع -حسب الكاتب- لم يكن طوعيا، بل جاء نتيجة الضرر السياسي الهائل الذي أحدثته فيديوهات صورها أشخاص عاديون في المدينة، كشفت زيف الرواية الحكومية بشأن مقتل المواطن الأميركي أليكس بريتي برصاص عملاء فدراليين.
الخطر الأكبر ليس فقط في الفيديوهات المزيفة بالكامل، بل في استخدام" فكرة" وجود الذكاء الاصطناعي لتشويه الفيديوهات الحقيقية.
بواسطة سام غريغوري، المدير التنفيذي لمنظمة" ويتنس" Witness.
وتعيش المدينة توترات مستمرة مع الأجهزة الفدرالية منذ أحداث 2020، وهو ما جعل سكانها" أكثر يقظة" في استخدام كاميرات هواتفهم لتوثيق أي تجاوزات.
ويوضح الكاتب أن المفارقة تظهر هنا، فبينما تهدد بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي مصداقية كل ما نراه، فلا تزال كاميرات الهواتف الذكية الحصن الأخير الذي يثبت زيف الادعاءات الرسمية ويجبر المؤسسات على الاعتراف بالخطأ، كما حدث مع اعتراف مدير هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بأن ضباطه قدموا" إفادات غير صادقة".
لكن الخطر الأكبر، حسب ما يراه سام غريغوري، المدير التنفيذي لمنظمة" ويتنس"، ليس فقط في الفيديوهات المزيفة بالكامل، بل في استخدام" فكرة" وجود الذكاء الاصطناعي لتشويه الفيديوهات الحقيقية.
ويستشهد التقرير بواقعة استخدام السيناتور ديك دوربين لصورة معدلة بذكاء اصطناعي للضحية أليكس بريتي في مجلس الشيوخ، مما أعطى فرصة للمشككين لضرب مصداقية القضية برمتها بمجرد إثبات حدوث تعديل بسيط على الصورة.
تختتم المؤرخة كاثرين أولمستيد المشهد بنبرة من الرعب، محذرة من أننا ندخل" عصرا جديدا من التآمرية".
فالتكنولوجيا اليوم لم تعد تكتفي بتزييف الواقع، بل تمنح المشككين ذريعة تقنية لرفض أي حقيقة لا تروق لهم، تحت شعار: " ربما هذا الفيديو ذكاء اصطناعي".
وبين سخرية روبنسون، الذي يرى أن العالم يدفن رأسه في الرمال، وبين فيديوهات المارة في شوارع مينيابوليس، يبقى الإنسان في 2026 محاصرا بين عدسة تنقذه من الظلم، وخوارزمية قد تسرق منه القدرة على التمييز بين الحق والباطل للأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك