بعد أن لامس سعر أسطوانة الغاز المنزلي في بعض الأسواق عتبة 200 ألف ليرة سورية (حوالي 18 دولاراً)، عادت أزمة التوريد إلى الواجهة مجدداً في عدد من المحافظات، وسط شبه انقطاع للمادة خلال الأيام الماضية ما أدى إلى قفزات كبيرة في الأسعار داخل السوق غير النظامية، خصوصاً في المدن الكبرى.
واليوم الثلاثاء، أعلن وزير الطاقة السوري، محمد البشير، أن حركة التوزيع ستعود إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات المقبلة.
وأضاف البشير، في تغريدة على حسابه بمنصة إكس: " جرى تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز بعد استكمال عمليات الربط والضخ التي تأخرت بسبب الأحوال الجوية خلال الأيام القليلة الماضية، وستعود حركة التوزيع إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات القادمة".
في الشارع، أعادت الأزمة الحالية إلى أذهان كثير من السوريين صور طوابير الانتظار الطويلة في السنوات السابقة.
يقول شعبان البدوي، وهو موظف في وزارة التربية، إن" مشهد البحث عن أسطوانة الغاز اليوم يعيدنا مباشرة إلى أيام الأزمة في زمن النظام السابق، عندما كنا نقف لساعات طويلة على الدور، وفي النهاية نضطر لشرائها من السوق السوداء بأضعاف السعر الرسمي"، مضيفاً لـ" العربي الجديد" أن الفارق اليوم هو أن القدرة الشرائية باتت أضعف بكثير، ما يجعل أي ارتفاع جديد عبئاً لا يُحتمل على الأسر.
في المقابل، ترى مريم اللحام، وهي ربة منزل في دمشق، أن تكرار أزمة الغاز يضاعف الضغوط اليومية على العائلات، إذ تقول لـ" العربي الجديد" إن" الأسطوانة أصبحت مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، ومع كل نقص في التوريد نضطر لتغيير نمط حياتنا بالكامل، من الطهي إلى التدفئة"، مشيرة إلى أن الحلول المؤقتة لا تكفي، وأن المطلوب هو استقرار دائم في الإمدادات يجنّب الناس العودة إلى مشاهد الطوابير والانتظار التي عاشوها لسنوات.
في حلب، قال متعاملون في السوق المحلية إن سعر الأسطوانة وصل إلى نحو 200 ألف ليرة، مع صعوبة الحصول عليها عبر القنوات الرسمية.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر حكومية تأكيدها أن التوريد سيعود إلى وضعه الطبيعي خلال وقت قريب، مشيرة إلى أن الإنتاج في دمشق وريفها عاد إلى حدود 60 ألف أسطوانة يومياً، وهو المعدل الذي كان سائداً قبل الأزمة الأخيرة.
بدوره كشف رئيس جمعية معتمدي الغاز في دمشق، صبري الشيخ، عن وصول ثمانية صهاريج ليل الأحد تكفي لتعبئة نحو 16 ألف أسطوانة غاز، مشيراً إلى وصول باخرة تحمل 2200 طن من المادة مساء الأحد، إضافة إلى بعض الصهاريج التي تصل عبر البر.
وقال الشيخ لـ" العربي الجديد" إن وصول الغاز سيكون ملموساً في الأسواق صباح اليوم، موضحاً أن معتمدي غاز دمشق لم تصلهم المادة منذ أكثر من أسبوع بسبب عدم توافرها في وحدات التعبئة، التي بدأت العمل ليل الأحد.
وأضاف أن معتمدي الغاز في ريف دمشق لم يحصلوا على المادة منذ أكثر من 15 يوماً، مشيراً إلى أن عمليات التوزيع محصورة حالياً بشركة السورية للتجارة، وهو ما أدى إلى استمرار النقص لدى المستهلكين.
وعزت مصادر في وزارة النفط سبب انخفاض إنتاج أسطوانات الغاز المنزلي، خلال الأسبوع الماضي، إلى تأخر وصول التوريدات، مشيرة إلى أن الإنتاج المحلي الحالي يلبّي أقل من نصف حجم الطلب الوطني، مع توقع وصول توريدات جديدة في بداية الأسبوع المقبل، وفقاً للوعود الرسمية.
وأوضح البشير أنه" نعمل حالياً على تجهيز مستودعات تخزين جديدة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي للغاز المنزلي وتفادي أي اختناقات مستقبلية في ظل تضرر البنى التخزينية السابقة".
وأكد البشير أن الهدف" استقرار دائم لا حلول مؤقتة".
وكانت وزارة الطاقة السورية قد كشفت، أمس الاثنين، عن الأسباب التي أدّت إلى تأخر توفر مادة الغاز المنزلي في بعض المناطق خلال الأيام الماضية، موضحةً أن سوء الأحوال الجوية تسبب في تأخر مؤقت لعمليات ربط باخرة الغاز في الميناء وتفريغها، ما انعكس على عمليات التوزيع وأدى إلى نقص المادة في عدد من المحافظات.
وبحسب تقديرات الشركة السورية للبترول، يتراوح الاستهلاك اليومي في سورية بين 110 آلاف و130 ألف أسطوانة في الظروف الطبيعية، مع ارتفاع الطلب خلال فصل الشتاء، نتيجة استخدام الغاز لأغراض التدفئة والطهي معاً.
ويتركز الضغط الأكبر في المدن ذات الكثافة السكانية العالية مثل دمشق وحلب، إضافة إلى المناطق التي تفتقر إلى بدائل طاقة أخرى.
وأدى تراجع الضخ خلال الأيام الماضية إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء، وهو نمط يتكرر مع كل أزمة توريد.
ويعكس ذلك حساسية السوق لأي خلل في الإمدادات، إذ يدفع نقص الكميات إلى موجة مضاربات واحتكار جزئي، تتضاعف آثارها على الأسر في ظل تدهور القدرة الشرائية.
ويرى الخبير الاقتصادي، عمار اليوسف، أن" الأزمة الحالية تكشف هشاشة منظومة توزيع الغاز في سورية، وغياب المرونة الكافية للتعامل مع الصدمات المناخية أو اللوجستية حتى لو كانت محدودة"، مضيفاً لـ" العربي الجديد" أن" أي انخفاض في حجم الضخ اليومي ينعكس فوراً على السوق غير النظامية، ويؤدي إلى موجة مضاربات واحتكار جزئي، ما يضاعف العبء على الأسر ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية في ظل التضخم المتواصل".
ويشير اليوسف إلى أن" السبب الجذري للأزمة ليس نقص الإنتاج، بل ضعف سلاسل التوزيع، وعدم وجود مخزون احتياطي كافٍ لتغطية أي تذبذب مفاجئ"، مؤكداً أن" استقرار السوق يعتمد على تحديث آليات التوزيع، وضمان انتظام وصول المادة الخام، بالإضافة إلى تطوير البنية اللوجستية التي تشمل النقل والتخزين وإدارة الطوابير".
ويضيف أن" التفاوت الكبير بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء يعكس الفجوة بين العرض والطلب، ويؤكد أن أي أزمة حتى لو كانت مؤقتة تتحول فوراً إلى أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية"، مشيراً إلى أن" الحد من آثار هذه الأزمات يتطلب سياسات أكثر استدامة تشمل زيادة الإنتاج، وتنظيم التوزيع، وتفعيل الرقابة على المضاربات، إلى جانب توعية المواطنين بكيفية التعامل مع تقلبات السوق دون اللجوء إلى الاحتكار أو السوق السوداء".
ويختم الخبير الاقتصادي بالقول: " الغاز المنزلي أصبح سلعة استراتيجية في حياة السوريين اليومية، وأي خلل في توريده ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، لذلك يجب اعتبار هذه الأزمة فرصة لإعادة هيكلة المنظومة وتجنب تكرار الاختناقات في المستقبل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك