العربي الجديد - إجراءات صارمة لتقليص الولادات القيصرية في تركيا القدس العربي - برشلونة يستدعي حمزة عبدالكريم من معسكر منتخب مصر للشباب بشكل عاجل العربي الجديد - جهود لاستعادة العملية التعليمية في الحسكة رغم التحديات وكالة شينخوا الصينية - الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة بكين-تيانجين-خبي بشمالي الصين يرتفع إلى قرابة 12 تريليون يوان روسيا اليوم - ترامب: الولايات المتحدة تعمل بجد لإنهاء النزاع في أوكرانيا روسيا اليوم - ترامب: أنهيت 8 حروب في 10 أشهر العربي الجديد - مرسوم التسوية... قرار يعيد الأمل إلى المهاجرين في إسبانيا العربية نت - البنك الدولي: فجوة صادمة بين قوانين المساواة بين الجنسين وتنفيذها وكالة ستيب نيوز - رسائل غامضة تغزو هواتف الإيرانيين.. اختراق تقني أم تحذير من القادم القدس العربي - طرد نائب ديموقراطي رفع لافتة “السود ليسوا قرودا” خلال خطاب ترامب في الكونغرس- (فيديو)
عامة

متاهة الثلاثة ملايين وثيقة.. كيف صنع إبستين "شبكة الشيطان"؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 أسبوع
1

شهد يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني الماضي حدثا ملأ الدنيا وشغل الناس، حين أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أضخم مجموعة من الملفات والوثائق المتعلقة بقضية جيفري إبستين المتهم بإدارة شبكة للاتجار بالقاص...

ملخص مرصد
أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن 3 ملايين صفحة جديدة من وثائق قضية جيفري إبستين، ليصل الإجمالي إلى 3.5 مليون صفحة بالإضافة إلى 180 ألف صورة و2000 فيديو. تكشف الوثائق شبكة نفوذ إبستين الواسعة التي تضم سياسيين ورجال أعمال وعلماء وفنانين، وطرقه في تجنيد الضحايا واستخدام الخدمات لاختراق النخب السياسية.
  • أفرجت وزارة العدل عن 3 ملايين صفحة جديدة من وثائق إبستين
  • تضم الوثائق تحقيقات فيدرالية ورسائل بريد إلكتروني وصور وفيديوهات
  • كشفت الوثائق عن شبكة نفوذ إبستين الواسعة وطرق تجنيده للضحايا
من: جيفري إبستين أين: الولايات المتحدة الأمريكية متى: 30 يناير 2024

شهد يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني الماضي حدثا ملأ الدنيا وشغل الناس، حين أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أضخم مجموعة من الملفات والوثائق المتعلقة بقضية جيفري إبستين المتهم بإدارة شبكة للاتجار بالقاصرات.

مجموعة مكونة من 3 ملايين صفحة جديدة ليصل إجمالي ما تم الكشف عنه في هذه القضية منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى 3.

5 مليون صفحة، بالإضافة إلى 180 ألف صورة و2000 فيديو، وقد شملت الملفات تحقيقات الجهات الفيدرالية في فلوريدا ونيويورك ومذكرات مكتب التحقيقات الفيدرالي" إف بي آي"، وأطنان من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بإبستين.

هذا العدد الهائل من الملفات جعل من الصعب على معظم الناس رؤية الصورة الكلية بشكل واضح، لأن الاطلاع على كل هذه الملفات يتطلب من الراغب التفرغ التام لما يزيد على ست سنوات بدون انقطاع، هذا لو افترضنا أن كل صفحة يمكن الاطلاع عليها في دقيقة واحدة، دون الإشارة إلى الكم الهائل من الصور ومقاطع الفيديو.

لذلك، وحتى لا نغرق تحت جبال الملفات والوثائق، ونركز على القطع المهمة وسط فيضان المعلومات، علينا أن نستبعد ما يبعدنا عن رؤية الروابط المهمة وسط هذا الضجيج المعلوماتي حتى نصل إلى الخيط الذهبي الذي يربط شبكة إبستين.

العبرة هنا ليست بكم التفاصيل التي ستواصل التدفق علينا خلال الأشهر وربما السنوات المقبلة ولكن في النمط الذي يجمع بينها، والذي يمكن أن يستوعب أي تفاصيل إضافية تتكشف.

الأمر أشبه بالمشهد الشهير الذي تراه في الأفلام البوليسية حين يقف البطل وأمامه على الحائط صور العديد من الأشخاص وقصاصات متفرقة من الصحف مثبتة بدبابيس ملونة، ويربط بين تلك الصور شبكة ضخمة من الخيوط، ينظر لها البطل مليا ليصل لذلك الخيط الذهبي الذي هو أول الطريق لفهم الحقيقة.

في هذا التقرير سنقتبس في الجزيرة نت ذلك المشهد في محاولة للوصول إلى ذلك الخيط الذي يحول ملايين الصفحات إلى خريطة طريق تقودنا للحقيقة، دون أن ندعي وصولنا إلى جوهرها، فكما قلنا هذا الكم من الوثائق يفتح المجال أمام البحث والتحقق والربط والتحليل لأشهر وربما سنوات قادمة.

في منتصف اللوحة وقلبها، يحضر صاحب الصورة والاسم الأبرز على الساحة الإخبارية العالمية في الفترة الأخيرة، مدرس الرياضيات السابق جيفري إبستين الذي لم يحصل على شهادة جامعية ثم أصبح مليونيرا ذا علاقات نافذة لا تحدها حدود جغرافية أو أيديولوجية مع رؤساء حكومات دول وسياسيين ورجال أعمال وحتى علماء وفنانين.

وفي السطور القادمة سنستعرض أبرز أركان شبكته شديدة التشعب.

عند وفاته في عام 2019، كان إبستين رجلا فاحش الثراء، وتعد الكيفية التي جمع بها أمواله ركنا أساسيا في التعرف على شبكة النفوذ التي أسسها والأنشطة المشبوهة التي تورط فيها، فرغم محاولاته" قبل وفاته" الفصل بين ثروته التي جمعها من أنشطته الاقتصادية بوصفه ممولا ورجل أعمال ذا خبرة، ومؤسسا" مزعوما" للعديد من الشركات الناجحة، فإن التدقيق يظهر أن ذلك الادعاء ربما يكون عاريا عن الصحة، وأن أنشطته الاقتصادية والإجرامية مرتبطة بخيط قوي لا ينفصم.

بدأ إبستين مسيرته في منتصف السبعينيات مدرسا للرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون، إحدى أعرق المدارس الإعدادية في نيويورك، وفُصل منها بعد عامين بسبب" ضعف الأداء".

لكن فترة عمله في المدرسة عرفته على آلان غرينبيرغ، الذي سيصبح فيما بعد الرئيس التنفيذي لشركة" بير ستيرنز" (Bear Stearns)، مما أهّله للعمل في البنك الاستثماري عام 1976 قبل انهياره عام 2008 أثناء الأزمة المالية العالمية.

لكن رحلة إبستين الحقيقية مع المال بدأت بتعرفه على الملياردير لي" ويزلي" ويكسنر، مؤسس شركة" إل براندز" (L Brands) المالكة لعدد من العلامات التجارية الشهيرة في مجالات الموضة والتجميل في مقدمتها علامتا" فيكتوريا سيكريت" و" باث آند بودي ووركس" ذائعتا الصيت.

يُعتقد أن ويكسنر هو من وضع إبستين منذ تسعينيات القرن الماضي في الموقع الملائم لبناء ثروته وشبكة علاقاته الواسعة التي تكشفت خيوطها فيما بعد.

كان ويكسنر من أوائل وأهم عملاء إبستين، لدرجة أن الأخير طالما قدم نفسه بوصفه مستشارا مقربا منه، وفي بعض الأحيان مسؤول توظيف لعارضات فيكتوريا سيكريت (Victoria's Secret) لدرجة أثارت مخاوف المديرين التنفيذيين للشركة الذين كانوا يعتمدون عادة على وكالات المواهب المعروفة.

وخلف الكواليس، مُنح إبستين صلاحيات واسعة النطاق على شؤون ويكسنر المالية وأعماله الخيرية وحتى حياته الخاصة، بما يشمل اقتراض الأموال نيابةً عنه، وتوقيع إقراراته الضريبية، وتوظيف أشخاص، وإجراء عمليات استحواذ باسمه.

وبفضل هذه العلاقة، حصل إبستين على قصر في نيويورك، وطائرة خاصة، وعقار فاخر في أوهايو -تُقدّر قيمته اليوم بنحو 100 مليون دولار- كانت مملوكة سابقا لويكسنر أو شركاته.

تعززت ثروة إبستين بشكل كبير من خلال شركاته الاستثمارية التي أسسها في جزر الملاذات لتجنب الخضوع للضرائب.

بحلول عام 1998، أسس شركة" فاينانشال ترست" (Financial Trust) في جزر العذراء، وهو العام نفسه الذي اشترى فيه جزيرة ليتل سانت جيمس مقابل ما يقرب من 8 ملايين دولارات وهي الجزيرة التي تحولت لاحقا إلى" وكر" لشبكات الاتجار الجنسي التي يديرها.

وبحلول عام 2011، أسس إبستين شركة" ساوثرن ترست" (Southern Trust)، التي أصبحت ذراعه التجارية الرئيسية بعد الخسائر المالية الكبيرة التي منيت بها فاينانشال ترست بعد إقراره بالذنب في قضية بولاية فلوريدا عام 2008.

ارتبط تأسيس ساوثرن ترست بتحول قبلة إبستين المالية نحو ممول آخر هو ليون بلاك، الشريك المؤسس لشركة إدارة الأسهم والأصول" أبولو غلوبال مانجمنت" (Apollo Global Management).

منح بلاك إبستين في الفترة بين 2012-2017 ثروة مقدارها 170 مليون دولار مقابل استشارات ضريبية، وخدمات أخرى.

تفصيلا، وفقًا لتحقيق أجرته لجنة المالية في مجلس الشيوخ الأميركي، حوّل بلاك 5.

5 مليون دولار إلى حسابات" ساوثرن ترست" في دويتشه بنك (Deutsche Bank) عام 2012.

وفي فبراير/ شباط 2013، اتفق بلاك وإبستين على دفع 23.

5 مليون دولار مقابل خدماته، ثم تفاوضا على مبلغ إضافي قدره 56.

5 مليون دولار بعد ثلاثة أشهر، دُفع على أقساط.

وإجمالا منح بلاك إبستين قرابة 50 مليون دولار في عام 2013.

لاحقا، دفع بلاك لصالح إبستين 70 مليون دولار في عام 2014 و30 مليون دولار في عام 2015 مقابل خدمات تتعلق بالتدقيق الضريبي، وإدارة مجموعته الفنية والإشراف على يخته وطائراته وغيرها، وهو العام نفسه الذي تبرّع بلاك فيه بما لا يقل عن 10 ملايين دولارات لجمعية خيرية مرتبطة بإبستين.

من خلال هذه الكيانات والمعاملات، نجح إبستين في جني ما لا يقل عن 360 مليون دولار أميركي كأرباح مع توفير ما يقرب من 300 مليون دولار من الضرائب في الفترة من 1999 إلى 2018.

الاسم الثالث في شبكة إبستين المالية هو جيس ستالي، الرئيس التنفيذي السابق لبنك" باركليز" (Barclays) البريطاني ومسؤول سابق في بنك" جيه بي مورغان تشيس" (JPMorgan Chase).

ستالي كان الصديق الأقرب لإبستين في عالم البنوك، وساعده في الحفاظ على حساباته البنكية رغم التحذيرات الداخلية حول نشاطه المشبوه بما يشمل سحوبات نقدية ضخمة ومتكررة، وادعاءات بالاتجار بالبشر واستغلال جنسي.

تشير وثائق قضائية إلى رسالة داخلية أرسلها المستشار القانوني العام لبنك جيه بي مورغان ستيفن كاتلر في يوليو/ تموز 2011، قال فيها نصا: " هذا الشخص ليس شريفا بأي حال من الأحوال، ولا ينبغي أن يكون عميلا لدينا"، ورغم هذه الرسالة الصريحة، استمر البنك في التعامل مع إبستين لمدة عامين إضافيين حتى 2013، والسبب على الأرجح هو ضغط جيس ستالي الذي كان يصف إبستين بأنه" واحد من أهم العملاء".

وتشير التحقيقات الأميركية أن بنك جيه بي مورغان تشيس استمر في إقراض إبستين أموالًا وسمح له بسحب مبالغ نقدية كبيرة بانتظام من عام 1998 وحتى أغسطس/ آب 2013، أي بعد أكثر من 5 سنوات على إدانته.

إلى جانب ذلك كله، انخرط إبستين في أنشطة استثمارية متنوعة لتعظيم ثروته.

كشف تقرير سري عن تركة إبستين اطلعت عليه صحيفة نيويورك تايمز أنه استثمر سرا 40 مليون دولار في صندوقين من صناديق فالار فنتشرز (Valar Ventures) -وهي شركة شارك في تأسيسها المستثمر والممول بيتر ثيل- خلال الفترة 2015-2016.

نما هذا الاستثمار منذ ذلك الحين إلى ما يقرب من 170 مليون دولار، مما يجعله أكبر الأصول المتبقية في تركة إبستين.

وعلى الرغم من هذه الإيرادات الموثقة، لا تزال هناك تساؤلات جوهرية حول النطاق الكامل لثروة إبستين ومصادرها.

في يوليو/تموز 2025، كشف السيناتور رون وايدن (ديمقراطي) أن محققي لجنة المالية في مجلس الشيوخ راجعوا ملفات وزارة الخزانة المتعلقة بإبستين، والتي شملت 4 تقارير بنكية بإجمالي معاملات يصل إلى 1.

9 مليار دولار.

التقرير الأول والأكبر قدّمه بنك جيه بي مورغان في أواخر عام 2019، وغطّى 4700 معاملة مالية تعود بدايتها إلى عام 2013 بما في ذلك مدفوعات لنساء من بيلاروسيا وروسيا وتركمانستان.

وكان التقرير التالي من نصيب دويتشه بنك بقيمة 400 مليون دولار تقريبا، يليه بنك نيويورك ميلون بقيمة 378 مليون دولار، ثم بنك أوف أمريكا الذي قدّم تقارير عن مدفوعات ليون بلاك لصالح إبستين.

في ذروة نشاطها عام 2013، سجلت شركة إبستين إيرادات بلغت 127 مليون دولار أمريكي، ووصل صافي أصولها إلى 476 مليون دولار.

وعند وفاته، قُدّرت قيمة ممتلكاته بحوالي 600 مليون دولار، بما في ذلك ممتلكات عقارية ثمينة وواسعة النطاق: منزل في مانهاتن بقيمة تزيد عن 50 مليون دولار، وقصر في بالم بيتش بقيمة 12 مليون دولار، ومزرعة في نيو مكسيكو بقيمة 17 مليون دولار، وشقة في باريس بقيمة 8.

6 مليون دولار، وجزيرتان في منطقة البحر الكاريبي بقيمة إجمالية قدرها 86 مليون دولار (اشتراهما الملياردير ستيفن ديكوف، مؤسس شركة بلاك دايموند كابيتال مانجمنت (Black Diamond Capital Management) للاستثمارات البديلة، مقابل 60 مليون دولار عام 2023) بخلاف امتلاكه طائرة خاصة وعدد آخر من الأصول المتفرقة.

بعد المال يأتي دور الشبكة الإجرامية التي أدارها إبستين في الاتجار الجنسي الإجرامي بالقاصرات وشهدت تورط العديد من الشخصيات النافذة.

وأول من يظهر في هذه الشبكة اسم غيلين ماكسويل، ابنة عملاق النشر البريطاني روبرت ماكسويل الصغرى.

كانت غيلين بمثابة الذراع اليمنى لإبستين، وعن طريق علاقاتها فتحت له قنوات التقرب من الصفوة مثل الأمير البريطاني أندرو والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

والأهم أنها كانت مسؤولة عن استدراج وتجنيد الضحايا من الفتيات القاصرات وعرضهن على زبائن إبستين كما كشفت الوثائق القضائية.

على سبيل المثال، أشارت فيرجينيا روبرتس جوفري، إحدى أبرز ضحايا إبستين، إلى أن ماكسويل جندتها في سن الخامسة عشرة للعمل كمدلكة، وأنها عملت" قوادة" لإبستين، وشاركت بنشاط في تسهيل الاعتداءات على الفتيات.

حاليا، تقضي غيلين عقوبة السجن لمدة 20 عاما بعد إدانتها في ديسمبر/كانون الأول 2021 بخمس تهم جنائية، أبرزها" الاتجار بجنس القاصرات".

للمفارقة، فإن غيلين أو غيسلين التي كانت تعتقد لفترة طويلة أنها" محمية" بفضل علاقات والدها الاستخباراتية حيث يُشاع أنه عمل مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي" الموساد" وجهاز الاستخبارات البريطاني" إم آي 6"، بالإضافة إلى علاقاتها الخاصة، كانت هي الشخص الوحيد الذي حُكم عليه بالسجن لفترة طويلة في هذه القضية حتى الآن، بينما بقي معظم المذكورين في الوثائق من دائرة إبستين دون ملاحقة جنائية مباشرة، وأغلبهم حجبت أسماؤهم في الوثائق المنشورة.

لكن اسما بعينه تم ربطه بشبكة إبستين من خلال شهادات الضحايا، وهو جان لوك برونيل الذي كان بمثابة وكيل للشبكة المشبوهة في فرنسا.

أسس برونيل وكالة لإدارة وتوظيف عارضات الأزياء باسم" MC2" مارست أنشطة في باريس وبروكسل ونيويورك، ويعتقد أنها لعبت دورا في استقطاب الشابات إلى شبكة إبستين تحت ستار عرض الأزياء.

وقد ألقي القبض على برونيل في فرنسا في ديسمبر/كانون الأول 2020 بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي على القاصرات والاتجار بالبشر، ووجد ميتا في زنزانته بباريس في فبراير/شباط 2022، وأدرجت واقعة موته كحادثة انتحار، تماما كما حدث مع إبستين.

تظهر علاقة إبستين مع جان لوك برونيل نمطا واضحا في طريقة إدارة هذه الشبكة الإجرامية من خلال التستر خلف وكالات عرض الأزياء لتجنيد الفتيات.

تتضمن سلسلة رسائل بريد إلكتروني أرسلت إلى إبستين عام 2010 وصفا لامرأة تدعى" كيلي سي"، مقدم من" وكالة عرض أزياء" تدعى" كاستينغ فاكتوري" لا تملك موقعا إلكترونيا نشطا في الوقت الراهن، في حين يقع عنوانها المسجل في مبنى مهجور في العاصمة البلجيكية بروكسل وفق ما أوردته مجلة بوليتيكو.

في مراسلة أخرى، أبلغ مرسل مجهول إبستين أنه أجرى مكالمة فيديو مع امرأة بدت" لطيفة للغاية"، كانت تعمل سابقا" وسيطة عارضات أزياء" في تكرار للنمط ذاته في استقطاب الضحايا.

المؤكد أن ما كُشف من هذه الشبكة لا يتعدى قمة جبل جليدي ضارب بعمقه في ملايين الوثائق التي تحوي مئات، إن لم يكن آلاف الأسماء المحجوبة.

مؤخرا سمحت وزارة العدل الأميركية لنواب الكونغرس بالاطلاع على نسخ كاملة" دون حجب" من الوثائق المنشورة، ما مكن النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا رو خانا من الكشف عن أسماء ستة أشخاص حُجبت هوياتهم في الوثائق المنشورة للعامة.

أول هؤلاء الأشخاص ليزلي ويكسنر نفسه الذي اعتبره مكتب التحقيقات الفيدرالي شريكا لإبستين في مرحلة ما من التحقيق، رغم عدم توجيه أي اتهامات جنائية له حتى الآن، بالإضافة إلى سلطان بن سليم رئيس شركة موانئ دبي العالمية (الذي أبعد عن منصبه مؤخرا)، والسياسي الإيطالي وعضو البرلمان الأوروبي السابق نيكولا كابوتو، إضافة إلى سلفاتوري نوارا وزوراب ميكيلادزه وليونيك ليونوف، قبل أن تصرح مصادر من وزارة العدل الأميركية للغارديان بأن أربعة من الرجال الذين ذكرهم خانا لا تربطهم أي صلة ظاهرة بإبستين أو أنشطته الإجرامية، وإنما ظهروا في عرض صور أعدته محكمة في نيويورك.

بعد طبقة الممولين التي مكنت جيفري إبستين من مئات الملايين من الدولارات التي استطاع بها بناء شبكة علاقات هائلة، والشبكة الخاصة التي أدارت أنشطته المشبوهة، يأتي دور شبكة معقدة ومتشعبة من أصحاب النفوذ السياسي داخل وخارج الولايات المتحدة.

هذه الشبكة جمعت السياسيين على جانبي الطيف الحزبي والأيديولوجي، فتجد فيها الرئيس الأمريكي المنتمي للحزب الديمقراطي مثل بيل كلينتون كما الرئيس المنتمي للحزب الجمهوري مثل ترمب، كما يظهر فيها المنظرين للقومية الشعبوية مثل ستيف بانون، وناقدي الإمبريالية الأمريكية مثل نعوم تشومسكي.

منحت هذه الشبكة المتشعبة إبستين حصانة واسعة لفترة طويلة، حتى لو لم يثبت تورط جميع أعضائها في الأنشطة الإجرامية.

وإذا نظرنا إلى التفاصيل، فإن أول ما يطالعنا هو اسم الأمير البريطاني أندرو، شقيق الملك تشارلز ملك بريطانيا، الذي اتهم بالضلوع في ممارسات مرتبطة باستغلال قاصرات، ما أدى إلى تهميش دوره في العائلة الملكية وتجريده من أدواره وألقابه، واضطره لدفع ملايين الدولارات في تسوية لقضية اتهمته فيها فتاة أمريكية بالاعتداء عليها جنسياً حين كانت في السابعة عشر من عمرها.

وعلى ما يظهر، فإن علاقات إبستين بالطبقة السياسية في بريطانيا كانت كثيفة ومتوغلة.

تكشف الوثائق المنشورة مؤخرا عن ارتباط إبستين بأحد أبرز قيادات حزب العمال وهو لورد بيتر ماندلسون، الذي شغل عدداً من المناصب الهامة بداية من وزير التجارة والصناعة في حكومة توني بلير في عام 1998، ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون التجارة من 2004 إلى 2008، قبل أن يعود للحكومة البريطانية في 2008 وزيراً للأعمال والابتكار والمهارات، ويحمل لقب" سكرتير الدولة الأول" ما بين عامي 2009 و2010، وهو لقف شرفي عادة ما يمنح لأقدم الوزراء ويجعله بمثابة نائب غير رسمي لرئيس الحكومة.

تتبع تفاصيل العلاقة بين ماندلسون وإبستين ومسار تطورها وكيف استفاد كل منهما من الآخر يعطينا نموذجا للطريقة التي كون بها الرجل شبكته الهائلة وحافظ عليها.

شهدت حقبة أواخر التسعينيات من القرن الماضي عودة حزب العمال البريطاني للسلطة بعد 18 عاما من الغياب تحت قيادة توني بلير، وكان مهندس الحزب في تلك الفترة ماندلسون الذي أدار الحملة الإعلامية لبلير عام 1997، واستخدم أساليب حديثة في" صناعة الصورة" والتحكم في الرسائل الإعلامية، مما ساعد بلير على الظهور أمام الجماهير بوصفه قائدا شابا وعصريا.

هذا الدور لم يغب عن جيفري إبستين الذي كان يسعى لاختراق دوائر حزب العمال.

ولفعل ذلك، كان إبستين في حاجة لشخص قريب من الطبقة السياسية في لندن، وهنا جاء دور غيلين ماكسويل، ذراع إبستين اليمنى.

فبصفتها ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل، كانت غيلين تمتلك علاقات عميقة في الطبقة السياسية والاجتماعية البريطانية، ولا عجب إذن أن الوثائق المفرج عنها أكدت أن ماكسويل هي من قدمت إبستين لماندلسون في أواخر التسعينيات خلال حفلات اجتماعية في لندن ونيويورك.

كشفت الوثائق أيضا عن تفاصيل" عشاء خاص" أقيم في منزل إبستين بنيويورك عام 2001، بحضور ماندلسون مع شخصيات من" وول ستريت".

في هذا اللقاء، بدأ إبستين ممارسة أسلوبه المعتاد في تقديم" الخدمات"، عارضا على ماندلسون استخدام طائرته الخاصة وتوفير إقامات في منازله الفاخرة لتسهيل رحلاته، وهو ما قبله ماندلسون لاحقا.

استمر التواصل بين إبستين وماندلسون حتى بعد إدانته عام 2008 باستدراج واستغلال قاصرات في الدعارة، وهذا الجزء من علاقة الرجلين هو الذي لاحق ماندلسون فيما بعد.

تظهر رسائل البريد الإلكتروني المفرج عنها أن ماندلسون أثناء شغله منصب وزير الأعمال والرجل الثاني فعليا في حكومة غوردون براون في يونيو/حزيران 2009، أرسل لإبستين مذكرة داخلية كانت موجهة لرئيس الوزراء، تتضمن خططا لبيع أصول حكومية بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني (نحو 32.

8 مليار دولار) لسد عجز الموازنة.

ناقشت الرسائل أيضا" ضريبة مكافآت المصرفيين" وهي ضريبة ضخمة فرضتها لندن آنذاك على دخول موظفي البنوك، حيث طمأن ماندلسون إبستين بأنه يحاول" تخفيف" هذه الضرائب، بل واقترح أن يقوم مدير بنك" جي بي مورغان" بـ" تهديد خفيف" لوزير الخزانة البريطاني آنذاك أليستر دارلينغ لثنيه عن القرار.

هذه المعلومات التي يعتبرها المحللون" معلومات داخلية" هي الكنز الذي يسعى له أي لاعب في مجال المال والاستثمار.

على الناحية المقابلة، بصفته وزيراً للأعمال طلب ماندلسون من إبستين مساعدته في التقرب من جيس ستالي، وكان وقتها رئيساً للاستثمار في بنك" جي بي مورغان"، لدفع البنك لتولي دور في مشروع استثماري في مجال التعدين.

وبعد خسارة حزب العمال في انتخابات 2010 وخروج ماندلسون من الحكومة، طلب ماندلسون من إبستين المساعدة في الحصول على وظيفة" عالية الأجر" في إحدى الشركات كبرى مثل" بريتيش بتروليوم".

الأسلوب الذي استخدمه إبستين مع ماندلسون، هو ذاته الذي نفسه في بناء علاقته مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وتلك حلقة من الأكثر تعقيدا في شبكة نفوذ إبستين.

دخل إبستين دائرة كلينتون في التسعينات من خلال مساهماته المالية للحزب الديمقراطي، حيث تذكر تقارير أن إبستين زار البيت الأبيض عدة مرات بين عامي 1993 و1995، بدعوة من مساعدين للرئيس أو كجزء من فعاليات للمتبرعين.

توطدت العلاقة بين الرجلين بعد خروج كلينتون من البيت الأبيض في عام 2001، حيث قدم إبستين في عام 2006 تبرعاً لمؤسسة كلينتون بقيمة 25 ألف دولار، وساعد في ربط المؤسسة بمتبرعين آخرين من أصحاب الثروات الكبيرة في نيويورك.

ووفقاً لسجلات رحلات الطيران استخدم كلينتون طائرة إبستين الخاصة، المعروفة بـ" لوليتا إكسبريس" في عدد من الرحلات الدولية والمحلية في الفترة 2002 و2003.

وقد حصل إبستين في مقابل هذه الخدمات على وجاهة اجتماعية، وسائر مميزات الانتماء إلى دائرة رئيس أمريكي سابق بكل ما يأتي وراء ذلك من نفوذ وفتح أبواب للعلاقات.

وبرغم ما يبدو من أن علاقة كلينتون بإبستين انقطعت في 2005 مع انتشار الأخبار عن تحقيقات بخصوص إبستين في فلوريدا، وفقاً لما ذكره كلينتون في مذكراته، إلا أن إبستين استمر في الاستفادة من هذه العلاقة، فالعلاقة مع شخصية بوزن رئيس الولايات المتحدة السابق ليست مجرد صداقة تنتهي بقطع الاتصال، بل هي استثمار في السمعة يظل يدرّ أرباحاً لسنوات طويلة بعد توقف اللقاءات المباشرة.

وكدليل على ذلك، استمر إبستين في استخدام رواياته ورحلاته القديمة مع كلينتون حتى بعد إدانته الأولى في عام 2008 كوسيلة لإيهام ضحايا جدد أو شركاء أعمال.

كان لسان حاله يقول: " إذا كان البيت الأبيض قد وثق بي، فمن أنتم لتشككوا فيّ؟ "، كما أن إبستين استغل علاقته السابقة بكلينتون في بناء علاقات مع رجال كلينتون مثل لاري سامرز، وزير الخزانة في عهد كلينتون ورئيس جامعة هارفارد الأسبق.

بالمثل، امتلك إبستين علاقة وثيقة مع دونالد ترمب (رئيس الولايات المتحدة الحالي) تعود إلى مطلع التسعينيات.

وقتها، كان ترمب لا يزال مطورًا عقاريًا ثريًا، وإبستين، مدير صندوق تحوط، يترددان على نفس الأوساط الاجتماعية الراقية في مانهاتن وبالم بيتش، ويلعبان الغولف معا في منتج مارالاغو المملوك لترمب.

وفيما بين عامي 1993 - 1997، سافر ترمب سبع مرات على الأقل على متن إحدى طائرات إبستين الخاصة، دون أن تتجه أي من الرحلات المسجلة إلى جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي.

وفي مقابلةٍ نُشرت عام 2002 في مجلة نيويورك، وصف ترمب إبستين بأنه" رجلٌ رائع" ما يُظهر معرفةً سابقةً بينهما.

غير أنه بحلول منتصف ذلك العقد نشب خلاف بين ترمب وإبستين، لأسباب غامضة، وقد صرّح ترمب مؤخرا أن الخلاف بدأ عندما" أخذ إبستين أشخاصًا كانوا يعملون لديه" في منتجع مارالاغو، فيما تُشير روايات أخرى إلى حرب مزايدة نشبت بين الرجلين عام 2004 حول قصر في بالم بيتش.

على كل حال انتهت علاقات إبستين مع ترمب قبل فترة طويلة من الصعود السياسي للأخير، لذا فإنه لم ينجح في الاستفادة منه أسوة بما فعل مع كلينتون.

لكن علاقاته مع الطبقة السياسية الأميريكية تجاوزت الرئيسيين نحو عشرات الأسماء الأخرى، مثل بيل ريتشاردسون (حاكم ولاية نيو مكسيكو السابق -ديمقراطي) الذي ورد اسمه في وثائق محكمةٍ رُفعت عنها السرية، حيث أشارت إحدى الضحايا أن ماكسويل وجهتها لممارسة الجنس معه، وهناك وزير التجارة الحالي هوارد لوتنيك الذي دعي إلى جزيرة إبستين في ديسمبر/كانون الأول 2012، وسبق أن التقى معه في مناسبة أخرى عام 2011، كما تبادلا مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني.

وإذا كانت الأسماء السابقة تثير الفضول، فإن الغوص في الوثائق يكشف عن بُعد آخر أكثر خطورة يمس العصب الحي للعالم العربي، وتحديدا القضية الفلسطينية.

فبينما كان العالم يتابع جولات المفاوضات المتعثرة، تكشف الوثائق أن الوسطاء الذين اؤتمنوا على ملف السلام في الشرق الأوسط كانوا غارقين حتى آذانهم في مستنقع إبستين، مما يطرح تساؤلات مرعبة حول استقلاليتهم ونزاهة القرارات التي صاغت مصير المنطقة لعقود.

يبرز هنا اسم الدبلوماسي النرويجي تيريه رود-لارسن، الذي يُعرف بصفته" مهندس اتفاقيات أوسلو" عام 1993 والذي وصفه إبستين في مناسبات عدة بـ" أعز أصدقائه".

وتتجاوز الوثائق حدود الصداقة لتكشف عن تعاملات مالية مريبة، إذ حصل لارسن على قرض بقيمة 130 ألف دولار من إبستين عام 2013، وتلا ذلك دفعة غامضة بقيمة 250 ألف دولار عام 2015.

لكن الصدمة الحقيقية تكمن في وصية إبستين التي عدّلها قبل يومين فقط من وفاته في زنزانته عام 2019، حيث أوصى بمبلغ 5 ملايين دولارات لكل من طفلي لارسن وزوجته الدبلوماسية الرفيعة مونا يول، التي تخضع وزوجها حاليا لتحقيقات بتهم فساد في النرويج.

التساؤل عن هذا" الكرم" تساؤل منطقي، خاصة إذا كان يُشتبه في كونه ثمنا لخدمات سياسية ودبلوماسية قُدمت في الخفاء لصالح الأطراف التي يخدمها إبستين.

وبالتوازي، يظهر اسم السيناتور الأمريكي الأسبق جورج ميتشل، الذي شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (2009-2011) بتكليف من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

يرد اسم ميتشل أكثر من 300 مرة في سجلات إبستين، وتؤكد الوثائق عقد لقاءات مكثفة بينهما في الفترة من 2010 إلى 2013، وهي الفترة التي تتداخل جوهريا مع مهمته في المنطقة كمبعوث ووسيط بين العرب والإسرائيليين.

الأدهى من ذلك، أن فيرجينيا جوفري، إحدى أبرز الضحايا، ذكرت في إفادتها القضائية أنها أُجبرت على ممارسة الجنس معه.

ورغم نفي ميتشل القاطع واستقالته اللاحقة من المعهد الذي يحمل اسمه، فإن مجرد وجود وسيط السلام في قلب شبكة إبستين يشير بأصابع الاتهام إلى المنظومة بأكملها.

بالتزامن مع ذلك، عمل إبستين بشكل منهجي على بناء علاقات مع رجال أعمال وعلماء بارزين ومؤسسات أكاديمية مرموقة، مستخدما العمل الخيري كأداة لتبييض السمعة واكتساب الشرعية والجدارة الاجتماعية.

جدير بالذكر أن علاقة إبستين بعملاق التكنولوجيا ومؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس نشأت من الأساس من السمعة التي حققها إبستين من دعمه لمؤسسات خيرية وجلبه تمويلات ضخمة لمبادرات خيرية خاصة من خلال مؤسسته غراتيتود أميركا (Gratitude America Ltd) التي أسسها عام 2012.

إنه طعم استخدمه بمكر لإغراء غيتس (وغيره) المتهم اليوم هو الآخر بالتورط في ادعاءات الاغتصاب واستغلال القاصرات ضمن تلك الشبكة الإجرامية.

تكشف علاقة إبستين ببيل غيتس عن مستوى جديد من شبكة نفوذ وعلاقات إبستين الجهنمية: إنها الطبقة الخيرية والأكاديمية والعلمية وهي الطبقة الأكثر دهاء في تلك الشبكة، فإذا كان المال هو المحرك والممول، والشبكة الإجرامية هي العمل الفعلي والسياسة هي الدرع والنفوذ، فإن العمل الخيري، والعلم هما" المطهر الأخلاقي" الذي منح إبستين صبغة الرجل الذي يهتم بالعلوم والفكر ومستقبل البشرية.

كان الأمر أقرب إلى" غسيل سمعة فكري" استغله إبستين جيدا خاصة بعد إدانته لأول مرة عام 2008.

فعندما يتم اتهامك بجرائم أخلاقية، فإن وجود اسمك بجانب جامعة مرموقة مثل" هارفارد" يرسل رسالة للمجتمع: " هذا الرجل يقدر العلم ويدعمه، والاتهامات ضده مجرد ضجيج".

لا عجب إذن أن استقبلت الجامعة المرموقة تبرعات بقيمة تفوق 9 ملايين دولارات من إبستين، في الفترة بين عامي 1998 و2008 قبل إدانته، منها 6.

5 مليون دولار مُنحت دفعة واحدة عام 2003 لإنشاء برنامج هارفارد للديناميكيات التطورية، الذي كان يديره عالم الرياضيات والأحياء مارتن نواك، وقد زار إبستين بنفسه مكاتب البرنامج في ساحة هارفارد أكثر من 40 مرة بين عامي 2010 و2018.

في وقت لاحق، اضطرت هارفارد لإغلاق البرنامج وتعرض نواك لعقوبات أكاديمية مشددة لم تمنعه من مواصلة علاقته بإبستين حتى عام 2018.

وبحلول عام 2020، اضطرت هارفارد للاعتراف ضمنيا في تحقيق داخلي أن نفوذ إبستين كان أوسع مما اعتُرف به في البداية، مشيرة إلى قبوله زميلا زائرا في الجامعة في عام 2005 بتوصية مباشرة من رئيس قسم علم النفس، الدكتور ستيفن كوسلين، معترفة بأنه لم يمتلك المؤهلات الأكاديمية الكافية لذلك الترشيح.

الأهم من ذلك أن رسائل البريد الإلكتروني المسربة كشفت أن رئيس جامعة هارفارد السابق، لورانس سامرز، التقى مرارا وتكرارا بإبستين، وطلب منه تبرعات، واستمر في التواصل معه حتى بعد قرار هارفارد إيقاف قبول التبرعات منه في عام 2008.

على سبيل المثال، كتب سامرز لإبستين في أبريل/نيسان 2014 طالبا" نصيحة خيرية" بهدف جمع نحو مليون دولار لمشروع تعليمي خاص بزوجته، واستمرت الرسائل بينهما حتى 5 يوليو/تموز 2019 على الأقل.

لقد أدرك إبستين جيدا فائدة نشر صورته بجانب علماء وأكاديميين عمالقة في مجالاتهم مثل ستيفن هوكينغ ونعوم تشومسكي ومارفن مينسكي، فتحويل جزيرته في بعض الأوقات إلى مركز للمؤتمرات العلمية والصالونات الفكرية يجمل صورته ويغسل عن جزيرته سمعتها كمسرح للجرائم.

لكن تظل أكبر الفضائح الأكاديمية المرتبطة بإبستين من نصيب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي تلقى 10 تبرعات من رجل الأعمال المدان باغتصاب القاصرات بقيمة إجمالية بلغت 850 ألف دولار، 9 منها قدمت بعد إدانته رسميا في عام 2008.

ذهب التبرع الأكبر (525 ألف دولار) إلى مختبر الإعلام بقيادة البروفيسور جوي إيتو، فيما كان التبرع الثاني من حيث القيمة (225 ألف دولار) من نصيب أبحاث أستاذ الهندسة الميكانيكية سيث لويد.

وقد تمت معالجة هذه التبرعات بمعرفة ثلاثة من المسؤولين الإداريين المرموقين في المعهد وقتها وهم غريغوري مورغان نائب رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمستشار العام، وجيفري نيوتن نائب الرئيس لشؤون الموارد البشرية، وإسرائيل رويز نائب الرئيس التنفيذي وأمين الصندوق.

وضع المسؤولون الثلاثة إطارا غير رسمي يسمح بتقديم تبرعات إبستين حتى بعد إدانته، على أن تبقى هذه التبرعات صغيرة نسبيا وغير معلنة.

وهنا تتكشف الثغرة التي استغلها إبستين للنفاذ إلى قلب العالم الأكاديمي، مدركا حاجة الأكاديميين للمال لتمويل أبحاثهم واستعدادهم لخرق القواعد لأجل ذلك.

هكذا نفذت أسهم إبستين إلى أكاديميين من أمثال لويد، وعالم الوراثة في جامعة هارفارد جورج تشيرش، الذي تلقى أموال إبستين واستمر في التواصل معه حتى بعد إدانته.

لقد فسر تشيرش نفسه الأمر بنجاح عبر ما وصفه بـ" نفق الرؤية الضيقة" (Nerd tunnel vision)، مشيرا إلى ذلك" الهوس" الذي يدفع صاحبه لكسر القواعد الأخلاقية للوصول إلى هدفه.

يعد هذا الجزء من شبكة" إبستين" الأقل وضوحا حتى الآن مقارنة بباقي أركان الشبكة، فمن المنطقي في ضوء هذا النفوذ المتشعب أن نفترض أن إبستين امتلك علاقات واسعة داخل مؤسسات إنفاذ القانون والهيئات القضائية الأمريكية مكنته من تفادي الملاحقة والتحايل على القانون لفترة طويلة.

يمكننا أن نرصد إشارات مبكرة على ذلك، ففي عام 2005 وبعد أن اشتكى والدا فتاة تبلغ من العمر 14 عاما من أن إبستين دفع لها مقابل جلسة تدليك انتهت بممارسة جنسية، أحيلت القضية من شرطة بالم بيتش - فلوريدا إلى الادعاء العام حيث وجهت هيئة محلفين كبرى لائحة اتهام إلى إبستين بتهمة" الاستدراج لممارسة البغاء".

لكن رئيس شرطة بالم بيتش وكبير المحققين وقتها لم يكونا راضيين عن تعامل المدعي العام مع القضية، واعتقدا أن لائحة الاتهام الصادرة عن هيئة المحلفين فشلت في توصيف النطاق الحقيقي لسلوك إبستين، لذا فإنهما أحالا القضية إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) لإجراء تحقيق فيدرالي محتمل.

لاحقا، أحال مكتب التحقيقات الفيدرالي القضية إلى مساعد المدعي العام الذي فتح ملفا للقضية بعلم المدعي العام الأمريكي وقتها ألكسندر أكوستا.

لا توجد أدلة موثوقة (حتى الآن) تدعم وجود علاقات بين إبستين وأكوستا قبل تلك اللحظة، لكن المسار الذي اتخذته القضية مذ تلك اللحظة يثير الكثير من الشكوك.

في مايو/أيار 2007، قدم مساعد المدعي العام الأمريكي إلى رؤسائه مسودة لائحة اتهام من 60 بندا تحدد بدقة التهم الموجهة ضد إبستين، معززا إياها بمذكرة مطولة تلخص الأدلة التي تدعم هذه التهم.

وعند تلك النقطة تحول مسار القضية تماما لتدخل في مفاوضات طويلة حول صفقة انتهت بـ" اتفاق عدم ملاحقة قضائية" (NPA) سري للغاية.

اعترف إبستين بمقتضى الصفقة بالذنب في تهم" ولائية" (أي على مستوى ولاية فلوريدا فقط وليس على المستوى الفيدرالي) تتعلق باستدراج واستغلال قاصرات في الدعارة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 13 شهرا مع ميزة" خروج للعمل" يوميا، وتسجيله كمجرم جنسي.

كان أكوستا هو المسؤول الأول الذي حمى إبستين من الملاحقة الجنائية الفيدرالية، ومنحه عقدا كاملا إضافيا من الزمن مارس فيه أنشطته الإجرامية.

لاحقا عُين أكوستا وزيرا للعدل في فترة رئاسة ترمب الأولى في عام 2017 قبل أن يضطر للاستقالة بعد انتشار فضيحة التسوية، مع إلقاء القبض على إبستين مرة أخرى في عام 2019.

لا يزال هذا الاتفاق أحد أهم ألغاز القضية بأسرها، حيث لا تكاد جهة تقدم جوابا شافيا عن سر عدم الاستمرار في المحاكمة خاصة أن إبستين لم يقدم أي شهادات ذات مغزى لإدانة متهمين أهم تبرر منحه الحصانة، التي منحت جملة لـ" جميع المتورطين المحتملين" بلا تحديد.

وقد ذهب القاضي الفيدرالي كينيث مارا (Kenneth A.

Marra) إلى أن المدعين انتهكوا قانون حقوق ضحايا الجريمة حين أخفوا عن الضحايا الأنباء بشأن الاتفاق مع إبستين قبل تثبيته، ناهيك ببند السرية في الاتفاق الذي يحجب حق الضحايا في الطعن عليه أمام المحكمة.

على مدار السنوات، أسيل الكثير من الحبر حول تفسير هذا الاتفاق" المشبوه".

لكن أحد أكثر التفسيرات إثارة للجدل أوردته الصحفية فيكي وارد عام 2019 نقلا عن مسؤول لم تسمه في إدارة ترمب الأولى، أن أكوستا سئل أثناء الجلسات السابقة لتعيينه في منصب وزير العدل عما إذا كانت قضية إبستين سوف تسبب أي مشكلة في جلسات المصادقة أمام الكونغرس، ليرد عليه أكوستا أنه لم يعقد سوى اجتماع واحد بشأن قضية إبستين وأنه أبرم اتفاقية عدم الملاحقة القضائية لأنه" طُلب منه" التراجع، لأن إبستين" ليس من اختصاصه".

وكما تقول وارد نصا، فقد أخبر أكوستا محاوريه قائلا: " قيل لي إن إبستين ينتمي إلى المخابرات وأن علي أن أتركه وشأنه".

هذا النفوذ المتغلغل ذو الطبيعة الغامضة على المستوى المؤسسي يجعل الإشارة إلى ترسانة إبستين من المحامين والأساتذة والخبراء القانونيين هامشا على متن القول.

ويكفينا في ذلك مثال واحد يرشدنا إلى النمط الأوسع، وهو آلان ديرشوفيتز، أستاذ القانون بجامعة هارفارد، الذي يعد أحد أبرز أعضاء فريق الدفاع القانوني لإبستين ولعب دورا في التفاوض على اتفاقية الحصانة في ولاية فلوريدا، وقد شملته ادعاءات بممارسة جرائم جنسية ضد إحدى الفتيات القصر على الأقل ضمن شبكة إبستين.

عند تلك النقطة، تتراءى أمام أعيننا معالم شبكة إبستين، وهي شبكة هائلة، شديدة التعقيد، يمكن أن نعتبرها نموذجا مثاليا لـ" هندسة النفوذ" عبر طبقات متعددة يغذي بعضها بعضا.

المال وفر لإبستين القدرة على إغراء النخب السياسية والعلماء والمفكرين الباحثين عن تمويل حملاتهم ومشاريعهم.

لكن المال وحده ليس كافيا للوصول لأقصى درجات النفوذ، لذلك فقد استخدمه إبستين لبناء طبقة موالية من السياسيين والقادة عابرة للحدود منحته نفوذا هائلا وقدرة على فتح الأبواب المغلقة وعقد صفقات مشبوهة أو الحصول على معلومات سرية ليحقق المزيد من المكاسب المالية، والمزيد من العلاقات والنفوذ ضمن دائرة تغذي نفسها ذاتيا.

ولم يرد إبستين أن يكون ملطخ السمعة، فهذا من شأنه أن يقصر من عمر شبكته ويحد من قدرته على التأثير على أشخاص جدد، لذلك عمد إلى غسل سمعته عبر الارتباط بأشهر شخصيات المجتمع العلمي والفكري الذين استطاع جذبهم بإسهاماته المالية في مشاريعهم العلمية والفكرية، وفي المقابل منحوه هالة الاحترام وساهموا في تجميل صورته.

ولا ننسى طبقة المنفذين والوكلاء ممن يديرون الخدمات ويجلبون الضحايا ويشترون الولاءات ويرتبون اللقاءات بين أصحاب المال والسلطة في مناسبات اجتماعية منسقة بعناية.

باختصار، فإن الطريقة التي أدار بها إبستين شبكته جعلت الجميع متورطين في منظومة صمت مطبقة تغلفها الجريمة من كل جانب.

لو دققنا النظر في اللوحة أمامنا، المليئة الآن بصور الأشخاص والقصاصات عنهم، فسوف نبدأ الآن في تمييز خيط رئيسي واضح يربطهم جميعا، كما يحدث في الأفلام عندما يرى البطل ذلك الخط فجأة فتلمع الحقيقة بين عينيه.

في نموذج إبستين، سيكون الرابط هو النمط الموحد الذي استخدمه ليضم شخصيات متباينة الانتماء السياسي والجغرافي والمهني والأيديولوجي ولا يكاد يربطها رابط.

هذا النمط" الإبستيني" يعتمد على تقنيات متقدمة من الهندسة الاجتماعية، إذ لم يكن جيفري إبستين مجرد" مغتصب" أو" مجرم" تقليدي، بل كان مهندس نفوذ يربط بين المال والسياسة والمؤسسات والشركات والأكاديميا.

وقد كانت علاقة إبستين باللورد ماندلسون تحديدا هي النموذج الذي طبقه إبستين عشرات المرات ليبني شبكته الضخمة التي جعلته مركزا للمال والنفوذ.

نمط متكرر، يبدأ بدعوة إبستين للشخص المستهدف من قبل أحد المقربين منه، مثل غيلين ماكسويل، إلى المرور عبر بوابة سرية إلى عالم النخبة الذي لا يقبل الغرباء إلا بجواز مرور.

في بعض الأحيان يمكن استخدام عضو قديم في نادي النخبة ذلك كطعم لاصطياد هدف آخر، تماما كما استخدم إبستين الأمير أندرو كشهادة ثقة في بداية تعرفه بماندلسون، فإذا كان" فرد من العائلة المالكة" يثق بإبستين، فلا بد أنه شخص جدير بالثقة ويمكن التعامل معه بأمان.

في المرحلة التالية يبدأ إبستين في عرض خدماته مثل الرحلات وتذاكر الطائرات أو استخدام طائرته الخاصة والإقامة في منازل فخمة في باريس ونيويورك.

هذه الخدمات السخية تهدف لكسر الحواجز الرسمية وجعل السياسي يشعر بالراحة والخصوصية، مما يسهل عملية تبادل المعلومات لاحقا.

والمرحلة الأخيرة تكون هي تبادل الخدمات، مثلما رأينا في حالة ماندلسون الذي سرب معلومات حكومية حساسة لإبستين.

نجاح إبستين كان هائلا لدرجة أن العديد من الشخصيات من عالم النخبة كانت تطمح في الانضمام لشبكته التي أصبحت بمثابة ناد خاص للمحظيين.

ما كان يبيعه إبستين في الحقيقة ليس فقط الفتيات والجنس ولكنه حق الوصول لهذا النادي الاستثنائي، مستغلا عبقريته في تدوير العلاقات واستخدام كل علاقة كبوابة لعلاقات جديدة، فكل اسم جديد ينضم لشبكته كان يُستخدم كطعم لاصطياد اسم آخر.

بذلك، يمكننا الآن رؤية الهدف الحقيقي من الحفلات الصاخبة التي كان يقيمها أو شبكة الضحايا من الفتيات القاصرات التي كان يوفرها لزبائنه، هذا الهدف لم يكن هو الترفيه ولكن الاصطياد.

في الحقيقة كانت فرائس إبستين من الفتيات القاصرات مجرد طعوم لاصطياد فرائس أكبر، ووسيلة لخلق حالة" تواطؤ ملزم" يجعل الآخرين مجبرين على البقاء في أكنافه.

ما لا يفسره هذا الطرح هو السؤال الأكبر الذي سيظل موضعا للجدل والتكهنات ونظريات المؤامرة لسنوات طويلة: لحساب من كان يعمل إبستين؟ هل كان وكيلا لأحد أجهزة الاستخبارات كما تقول وارد؟ هل هناك حقا قوة أكبر تقف وراء هذه الشبكة الضخمة؟ من المنطقي افتراض ذلك، ومن المحبط القول إننا ربما لن نعرف الحقيقة على وجه اليقين إلى الأبد، كما هو معتاد في مثل هذه الفضائح السياسية ذات الجذور العميقة.

البديل الوحيد لذلك التفسير أن يكون" إبستين" هو الشيطان نفسه متجسدا في صورة بشرية، وأن يكون قضى حياته في نسج شبكة كشفت فقط حجم الشر الدائر في كواليس العالم، وقدمت العديد من سياسييه وقادته وعلمائه في أكثر الصور انحطاطا ووحشية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك