يمثل فرض الصيام أحد الركائز الأساسية في التشريع الإسلامي، حيث جاءت آية الصيام في سورة البقرة لتضع إطارًا روحيًا وتربويًا بالغ العمق، يتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، ليصل إلى غاية أسمى هي تحقيق التقوى وتزكية النفس، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ سورة البقرة – الآية 183.
تؤكد الآية الكريمة أن الصيام لم يُشرع عبثًا، بل كُتب على المؤمنين كما فُرض على الأمم السابقة، في إشارة إلى وحدة المقصد الإلهي عبر الشرائع، وهو تهذيب النفس وضبط الشهوات، فالصيام وسيلة عملية لتعويد الإنسان على المراقبة الداخلية، والسمو الأخلاقي، والابتعاد عن الرذائل.
وفي هذا السياق، أوضح الإمام القرطبي في تفسيره الشهير الجامع لأحكام القرآن أن قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ» يدل على الإلزام والوجوب، شأنه شأن سائر الفرائض الكبرى، وهو ما أجمعت عليه الأمة، واستدل عليه بحديث النبي ﷺ:
«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج».
بين القرطبي أن الصيام في اللغة يعني الإمساك، وهو مفهوم واسع لا يقتصر على الطعام والشراب، بل يشمل الإمساك عن الكلام، كما في قول الله تعالى على لسان مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ أي صمتًا عن الكلام.
ويُطلق الصوم على السكون والثبات، وهو ما يعكس البعد التربوي للصيام في تهدئة النفس وكبح اندفاعها.
ويؤكد تفسير القرطبي أن فضل الصيام عظيم، وثوابه جزيل، وقد خصّه الله تعالى بالإضافة إليه دون غيره من العبادات، كما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
وأوضح أن هذه الخصوصية تعود لسببين رئيسيين:
أن الصيام يمنع النفس من شهواتها الظاهرة والباطنة أكثر من غيره من العبادات.
أن الصيام عبادة سرية بين العبد وربه، لا يطلع عليها أحد، مما يبعدها عن الرياء ويقرّبها من الإخلاص.
أما قوله تعالى «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، ففسّره العلماء بعدة معانٍ متكاملة؛ منها أن الصيام يُضعف الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعصية، وقيل: لتتقوا الذنوب عمومًا، لأن الصيام جُنّة ووقاية، وسبب مباشر لتحقيق التقوى.
وتكشف آية فرض الصيام أن هذه العبادة ليست مجرد تكليف جسدي، بل منهج متكامل لبناء الإنسان، يبدأ بالإمساك وينتهي بالتقوى، ويجعل من شهر الصيام محطة سنوية لمراجعة النفس، وتقويم السلوك، وتعميق الصلة بالله تعالى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك