«لا أحب أن أرى أطفالًا يستخدمون سلاحي في إفريقيا أو في أي مكان آخر».
من ميكانيكي مغمور بمحطة قطارات في كازاخستان إلى مخترع سلاح فتاك، ومن رقيب صغير إلى جنرال في الجيش الأحمر، ومن عدو للشعب إلى عضو مجلس السوفييت الأعلى، ومن فريق متقاعد إلى مسوّق فودكا.
هذه أهم المحطّات الفارقة في سيرة حياة ميخائيل كلاشنكوف، بوصفه مخترعًا لأخطر سلاح اقتحام خفيف في تاريخ الجيوش.
ولد في العاشر من نوفمبر 1919 لعائلة من الكولاك، أي الفلاحين؛ مُلّاك الأراضي، المغضوب عليهم من الحزب الشيوعي كأعداء للشعب.
سيرةٌ تراجيدية بدأت حافلة بالعقبات والمفاجآت، مكتظة بالمشقة، والطالع السيئ لطفلٍ سليل أسرة مُهجّرة قسرًا إلى سيبيريا، وصبي معذّب باليتم والفاقة، وفتى هارب من ملاحقة الشرطة لشبهة حيازته مسدس غير مرخص.
وبعد مكابدة مضنية رافقت التحاقه كتقني بسلاح الدبابات عام 1938، ثم اشتراكه عام 1941 في القتال ضد الجيش النازي، إلى جريح حرب، سيتحول ميخائيل عقب سنوات قليلة إلى أسطورة، ويشغل حيزًا رمزيًا في مدوّنة أبطال روسيا الشيوعية.
إبان حكم السوفييت، اهتم الإنتاج الحربي الروسي بتطوير السلاح عبر ثلاث قلاع صناعية عملاقة، التي تزايد الاهتمام بها، لمواجهة الغزو النازي في الحرب العالمية الثانية، وبصورة خاصة في مدينة إيزهفسك، حيث خُصصت منطقة شاسعة لمصانع السلاح بمساحة ثلاثة عشر كيلومترًا مربعًا، يديرها آلافُ العمال المنتجين.
وقد بلغت فيها صناعةُ الأسلحة الخفيفة حدًا بالغ الضخامة، فاق ما تنتجه آنذاك مصانع الإمبراطورية الألمانية مجتمعة.
إيزهفسك هي مدينة ميخائيل كلاشنكوف، مصمّم البندقية السوفيتية الصنع الأكثر شعبية في العالم، التي تحمل اسمه حتى يومنا هذا.
في عام 1942، وبينما كان الرقيب ميخائيل كلاشنكوف يخوض بمعية رفاقه من سلاح الدبابات معركة شرسة ضد الألمان، لاحظ أن بندقيته نصف الآلية أقل فعالية قتالية من بندقية الجندي الألماني ذات المخزن المقوس، وآليتها الأوتوماتيك، سريعة الإطلاق.
هذا ما حفزه بعد ذلك على التفكير جديًا في معالجة هذه النقيصة انطلاقا من شغفه بخصائص السلاح الشخصي.
وهكذا مهدت له تجاربه، التي استمرت بضع سنوات، الاشتراك في مسابقة عسكرية لتطوير الأسلحة الخفيفة، ليحظى في العام 1947 بجائزة تلك الدورة عن تصميمه للبندقية AK 47، التي ستحمل اسمه، وسيتبناها الجيش السوفييتي بعد ذلك بعامين، وتخضع من ثم لعمليات توزيع واسعة الانتشار على الحلفاء بأوروبا الشرقية، وتأسيس معامل استنساخ في الصين الشيوعية.
كل من خاض حربًا عقب النصف الثاني من القرن العشرين، سواء أكانت حرب تحرير أو عصابات، سيدرك جيدًا مدى فعالية البندقية كلاشنكوف 47 الآلية من حيث القدرة القتالية الناجمة عن إطلاق 650 طلقة في الدقيقة الواحدة، والدقة في التصويت وتدمير الهدف، فضلا عن خفة وزنها، مما يتيح لحاملها سرعة الحركة وسهولة المناورة في الغابات والجبال.
وعلاوة على كونها سهلة الفك والتركيب، ومقاومة المياه والأتربة، فهي لا تنطوي على أي تعقيد، وفي إمكان طفل العاشرة استخدامها دونما عناء.
في ذروة مجده، حظي ميخائيل كلاشنكوف باحتفاء وطني كبير، أهّله لنيل «جائزة لينين» كمخترع لأشهر بندقية هجومية.
وفي مناسبات رسمية عديدة، كرّمه ستالين وخرشوف وبريجنيف ويلتسن وبوتين.
هذا فضلًا عن ألقاب شتّى، عزّزت افتخاره بماضيه المجيد كمقاتل شجاع، ومخترع لبندقية أسطورية.
لكن عندما انتهى به المطاف كجنرال متقاعد نظير معاش يعادل 300 دولار أمريكي، وقد خَفَتَ بريقُ الشهرة، وترهّل الزمنُ مثقلًا بكثير من أسباب الخيبة والخذلان، بينها ضنك العيش، والشعور بالذنب، وسقوط إمبراطورية السوفييت، والخوف من أمراض الشيخوخة، والتفكير في مصير أحفاده.
ولا سيما أنه لم يحقق مغانم مالية تُذكر نظير اختراعه الذي احتكرته سلطة الدولة، لهذا سيبرم عقب تقاعده صفقة رابحة مع مستثمر بريطاني مقابل إطلاق اسمه على صنف من الفودكا، ومن ثم سيقوم بجولات دعاية تسويقية، ليجني في فترة قصيرة عائدات سخية من ترويج الفودكا، ضنت بها في السابق رحلته الطويلة مع البندقية 47 AK، مستنكرا في الوقت نفسه أن يستخدمها أطفال إفريقيا، لأنه عندما قام باختراعها تحت تأثير دافع عسكري وطني، فاته آنذاك التفكير في احتمالية انحراف استخدامها خارج معايير أخلاق القتال، وأن قرابة ربع مليون إنسان سيهلكون سنويا بجريرة الاختراع الذي حمل اسمه.
الاسم نفسه الذي لطالما أراده رمزًا خالصا لروسيا، وسطت عليه الفودكا.
عام 2013، توقفت رحلة ميخائيل كلاشنكوف، بينما ظلّ اسمه يصخب في حانات العالم، من دون أن يتوقف عن الركض بهيئة بندقية سريعة الحركة، لا تزال قادرة على الرهان الحربي، ومواصلة الانتشار والتداول في قرابة ثمانين دولة.
وقد كانت لها الغلبة في فيتنام، وصولات في فلسطين، والشيشان، وأفغانستان، وجمهوريات الموز، وأوغندا، وموزمبيق، وأنغولا، والسودان، والعراق، وسوريا.
وأيضا في ليبيا التي ستكرسها لصناعة الملهاة الأكثر سخرية وحمقًا ما دامت تفترض حروبا عشواء تخلط بين الفودكا والرصاص كوقائع عجيبة، لا تنجم إلا عن شخصنة السلطة وانفلات لجامها، تجسدت بهيئة أفلام أكشن دموية، ودشنت أول فصولها باشتباكات على حدودها مع الشقيقة مصر في منتصف عشرية السبعينيات من القرن العشرين، تلتها عديد السيناريوهات الحربية في أدغال أوغندا، وصحاري تشاد، ثم كان عليها أن تخوض حروب المتاهة الغامضة ضد نفسها.
وتلك حكاية أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك