حين تغيب الابتسامة فجأة، وترتدى صالة التحرير وشاحها الأسود ويردد الزملاء توفى محمود نصر.
مات الصاحب الطيب صاحب الابتسامة والخلق الدمث، هنا كانت الصاعقة، اخترقت الكلمات الأذن وكأنها رصاص يدوى فى العقول، كيف يتقبل الذهن وفاة من جلس معنا بروحه الخفيفة وابتسامته الرقيقية طيلة 15 عاما أو يزيد، رحل فجأة محمود نصر، خطفه طائر المرض من صالة تحرير اليوم السابع ليلحق بزميله علام عبد الغفار، رافعين راية رحيل ملائكة الصحافة، شباب فى عمر الزهور يخطفهم الموت المفاجئ دون استئذان.
يحضرنى بيت للشاعر عبد الرحمن الأبنودى" كانوا أصحابك يُتمى في إيدين الناس".
هذا حال الدنيا، في زحام الحياة، نغفل أننا لسنا مجرد كيانات فردية، بل مجموعة من الانعكاسات في عيون أصحابنا، عندما تغيب وجوه كانت معك تعيش وتتعايش حولك، حتى وإن لم يربطك بهم حبل الصداقة الوطيدة إلا أن صلة الود وعدد ساعات العمل فى جو أسرى خالٍ من المشكلات والنزاعات والصراعات كصالة تحرير اليوم السابع، أسرة متماسكة الأركان تجعلك تصرخ ألف مرة على فقدان زميل أو صاحب وأخ وصديق إن جاز القول.
نحن لا نفقد رفاقاً فحسب، بل نفقد أجزاء من شخصياتنا، كانت لا تظهر إلا في حضرتهم، الضحكة الابتسامة الكلمة الحلوة، الأمر لا يتوقف عند الحزن بل يمتد لآثار ملموسة وهو ما يصفه أصحاب الاختصاص النفسى بـ" وجع القلب الحقيقي".
المشهد الآن فى صالة تحرير اليوم السابع فى نفس لحظة كتابة المقال يجسد لوحة كلها ثقوب تتسع في الروح كلما غاب وجهٌ كان يملأ حياتنا بالمعنى، فالمرء لا يموت مرة واحدة، إنما يموت في كل مرة يفقد فيها أحداً من أصحابه.
نحن لا نعرف أنفسنا وحدنا، بل نعرفها من خلال أعين من أصحابنا شركاء تفاصيل حياتنا، عندما يرحل الصديق، لا نفقد شخصاً فحسب، بل نفقد النسخة التي كنا عليها معه، بموت محمود نصر وقبله موت علام عبد الغفار، تموت الحياة المشتركة، تموت حكايات لم يفهما غير أصدقاء تربطهم بيئة عمل جميلة هادئة، ليصبح جزءا من ماضينا يتيماً بلا شريك أرشيف صحفى يفتقد الصورة لصحفيين رحلو.
وفى نهاية كلماتى التى تقطر حزنا يحضرنى قول الشاعر محمود درويش في رثاء صديقه: " غيابك كان فاتحة انتظاري ليومٍ ينتشي فيه غيابي".
وداعا محمود نصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك