تخوض شركة ميكرون بقوة معركة الذكاء الاصطناعي التي لا تدور فقط حول المعالجات العملاقة أو الخوارزميات الأذكى، بل انتقلت إلى عنصر أقل بريقاً وأكثر حسماً يتمثل بالذاكرة.
فمع انفجار الطلب على مراكز البيانات والنماذج اللغوية الضخمة، تحوّلت رقائق الذاكرة إلى عنق زجاجة يهدد طموحات الشركات التقنية الكبرى.
وتدخل شركة ميكرون على الخط باستثمار ضخم يبلغ 200 مليار دولار، بحسب تقرير أوردته" وول ستريت جورنال"، اليوم الثلاثاء، رأى في ذلك خطوة تُعد من أجرأ رهانات الصناعة الأميركية لإعادة رسم توازنات سوق أشباه الموصلات وكسر أزمة إمدادات غير مسبوقة منذ أربعة عقود.
في مدينة بويز (Boise)، حيث يقع المقر الرئيسي لشركة ميكرون تكنولوجي (Micron Technology)، تتواصل أعمال التفجير اليومي لشقّ صخور البازلت تمهيداً لبناء مصنعين جديدين للرقائق.
والشركة، بحسب التقرير، هي أكبر مُصنّع أميركي لرقائق الذاكرة، وتسعى إلى توسيع طاقتها الإنتاجية بسرعة غير معهودة لتفادي أكبر أزمة نقص في سوق الذاكرة منذ أكثر من 40 عاماً.
وهي تستثمر 50 مليار دولار لتوسيع مجمّعها الممتد على 450 فداناً، عبر إنشاء مصنعين ضخمين (Fabs).
كما من المتوقع أن تبدأ أولى رقائق السيليكون بالخروج من المصنع الأول في منتصف عام 2027 لإنتاج" ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية" (DRAM)، وهي المكوّن الأساسي لذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) الضرورية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ويُفترض أن يدخل المصنعان حيّز الإنتاج الكامل بحلول نهاية 2028، وفق التقرير، بحيث إن كل مصنع سيمتد على مساحة 600 ألف قدم مربعة، أي ما يعادل أكثر من عشرة ملاعب كرة قدم، ليصبح من أكبر" الغرف النظيفة" التي بُنيت في الولايات المتحدة.
ويتطلب المشروع أكثر من سبعة ملايين رطل من الديناميت لتسوية الأرض، إضافة إلى 70 ألف طن من الفولاذ، أو ما يقارب كمية الفولاذ المستخدمة في بناء" جسر البوابة الذهبية" (Golden Gate Bridge)، و300 ألف ياردة مكعبة من الخرسانة، تكفي لتشييد أربعة مبانٍ بحجم مبنى إمباير ستايت (Empire State Building).
وتشير الصحيفة إلى أنه في ولاية نيويورك، بدأت ميكرون، أيضاً، العمل على مجمّع مصانع بقيمة 100 مليار دولار قرب سيراكيوز، في أكبر استثمار خاص بتاريخ الولاية.
كما أعلنت استثماراً بقيمة 9.
6 مليارات دولار لبناء مصنع في هيروشيما اليابانية.
وفي المقابل، أعلنت شركة" إس كيه هاينيكس" (SK Hynix) خططاً لبناء مصنع بقيمة 13 مليار دولار في كوريا الجنوبية، إضافة إلى مجمّع بقيمة أربعة مليارات دولار في إنديانا الأميركية، بما يعكس سباقاً عالمياً محموماً لتوسيع قدرات إنتاج الذاكرة.
وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي يفجّر الطلب، وذلك هو السبب الرئيسي وراء هذا السباق.
فقد أعلنت شركات مثل" أوبن إيه آي" (OpenAI)، و" أوراكل" (Oracle)، و" إكس إيه آي" (xAI)، و" أنثروبيك" (Anthropic)، خططاً ضخمة لبناء مراكز بيانات هائلة، ما دفع الطلب على الذاكرة إلى مستويات تفوق الطاقة الإنتاجية الحالية، علماً أن المعالجات المتطورة التي تطورها شركات مثل" إنفيديا" (Nvidia)، و" غوغل" (Google)، و" برودكوم" (Broadcom)، و" أدفانسد مايكرو ديفايسيز" (Advanced Micro Devices) تحتاج إلى كميات أكبر وأسرع من الذاكرة، سواء في مرحلة تدريب النماذج، أو في مرحلة الاستدلال وتشغيل التطبيقات.
ميكرون هي أكبر مُصنّع أميركي لرقائق الذاكرة، وتسعى لتوسيع طاقتها الإنتاجية بسرعة غير معهودة لتفادي أكبر أزمة نقص في سوق الذاكرة منذ أكثر من 40 عاماً.
وتنقل" وول ستريت جورنال" عن نائب رئيس ميكرون المشرف على خطة التوسع الأميركية، سكوت غاتزماير، قوله إن التحول من تدريب النماذج إلى تشغيلها أدى إلى" انفجار" في حجم البيانات المطلوبة، مشيراً إلى أن الشركة واجهت نقصاً حاداً في سعة" الغرف النظيفة" اللازمة للإنتاج.
وانعكس الطلب القوي على أداء الشركة المالي، إذ ارتفع سهم ميكرون أكثر من ستة أضعاف منذ إبريل/نيسان الماضي، ليبلغ نحو 414 دولاراً، لترتفع قيمتها السوقية إلى ما يقارب نصف تريليون دولار.
كما ارتفعت هوامش الربح الإجمالية من 18.
5% مطلع 2024 إلى 56% في أحدث تقرير فصلي، مع توقعات ببلوغ 68% في الربع الحالي، مقتربة من مستويات تتجاوز 73% تحققها" إنفيديا" على معالجاتها الرسومية.
كما تنقل الصحيفة عن المدير المالي للشركة، مارك مورفي، تأكيده أن" الأعمال تسير على مسار استثنائي"، لافتاً إلى أن الشركة تلبي حالياً بين نصف وثلثي الطلب لدى بعض العملاء الرئيسيين، فيما يسعى المشترون إلى توقيع عقود طويلة الأجل لتأمين الإمدادات وتفادي زيادات سعرية حادة.
ورغم الطفرة الحالية، يبقى القطاع عرضة لدورات تقلب حادة.
فبعد طفرة كورونا، تراجعت المبيعات عام 2022 نتيجة التضخم وارتفاع الفائدة، ما أدى إلى تخفيضات إنتاجية واسعة، لكن منذ 2024، عاد الطلب للارتفاع بقوة مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.
ونقلت الصحيفة عن تقارير إعلامية إشارتها إلى ارتفاع أسعار" ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية" بأكثر من 170% خلال عام، فيما قفزت أسعار رقائق" DDR5" أو الجيل الخامس من ذاكرة الوصول بنحو 500% منذ سبتمبر/أيلول.
ويتوقع محللون، وفق الصحيفة، استمرار النقص حتى نهاية 2026، وربما منتصف 2027.
فبالرغم من التوسع الكبير، لا تزال ميكرون تواجه منافسة شرسة، خاصة من" إس كيه هاينيكس".
وقد تعرض سهمها لضغوط مؤقتة بعد تقارير تحدثت عن عدم فوز رقائق" HBM4" بعقد لتوريد خوادم" إنفيديا" الجديدة" فيرا روبين"، إلا أن الشركة نفت صحة تلك الأنباء، وأكدت أن إنتاج" HBM4" و" HBM3e" مباع بالكامل حتى نهاية العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك