تقيم السلطات الإيرانية، مساء اليوم الثلاثاء، مراسم رسمية في أربعينية ضحايا الاحتجاجات الأخيرة في عدد من المدن، منها طهران، وسط دعوات من الحكومة ومؤسسات عسكرية وغيرها إلى المشاركة فيها بكثافة.
وفي المقابل، أحيت قوى معارضة إيرانية في الخارج المناسبة عبر تظاهرات احتجاجية نُظّمت خلال الأيام الماضية في عدة مدن أوروبية وأميركية، فيما أقامت عائلات الضحايا داخل البلاد مراسم تأبينية بطرق مختلفة، وسط دعوات للمعارضة إلى إحياء المناسبة بإضرابات واعتصامات.
وتُعدّ مراسم الأربعين من الطقوس الدينية والاجتماعية الراسخة في الثقافة الإيرانية، غير أن تقارير متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بمنع بعض العائلات من إقامة هذه المراسم في بعض المدن الإيرانية، وفرض قيود أمنية على التجمعات عند المقابر في عدد من المدن.
وذكرت وكالة" إرنا" الرسمية أن المراسم ستُقام في مصلى" الإمام الخميني" في طهران عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بالتوقيت المحلي، وتزامناً مع ذلك في المحافظات الإيرانية.
قال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، اليوم الثلاثاء، في لقاء شعبي بمناسبة وطنية جاءت تزامناً مع أربعينية ضحايا الاحتجاجات، إن إيران" مكلومة وحزينة على الدماء التي أُريقت" وتعيش حالة حزن وحداد عقب مقتل الآلاف خلال احتجاجات ليلتي 8 و9 من الشهر الماضي، قائلاً إن ما جرى كان" فتنة".
وأوضح خامنئي أن القتلى ينقسمون إلى ثلاث فئات: أُولاها قوات الأمن من الشرطة والباسيج والحرس الثوري ومن ساندهم، معتبراً أنهم" شهداء ومن أفضل الشهداء"، وثانيتها المدنيون المارّة الأبرياء الذين قُتلوا خلال الأحداث، واعتبرهم أيضاً" شهداء".
أما الفئة الثالثة، فتضم أشخاصاً قال إنهم" خُدعوا أو تصرفوا بقلة خبرة ورافقوا مثيري الاضطرابات"، مؤكداً أنهم من أبناء البلاد، وأن من قُتل منهم احتُسب شهيداً.
وفي المقابل، استثنى خامنئي من ذلك من وصفهم بـ" قادة الفتنة والمفسدين والانقلابيين"، قائلاً إن" أمرهم إلى الله ولا شأن لنا بهم".
وفي كلمة ألقاها خلال مراسم إحياء الذكرى الأربعين لضحايا الاحتجاجات في طهران، قال قائد" فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، إن" الداعمين لأعمال الشغب" ومن وصفهم بـ" الإرهابيين يُعدّون مجرمين وسينالون نتائج أفعالهم"، مؤكداً أن" هذه الأفعال لن تمر من دون محاسبة".
وشدد قاآني على أن" الشعب الإيراني سيرد على أعدائه بمزيد من التماسك والصلابة والوحدة الوطنية"، معتبراً أن تعزيز الانسجام الداخلي هو الرد الأهم على ما وصفه بالمخططات المعادية.
من جهته، أكد رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم الثلاثاء، في كلمة خلال الجلسة العلنية للمجلس، أن" اليوم يصادف الذكرى الأربعين لشهداء الحادثة الأخيرة التي وصفها بالفتنة الإسرائيلية الأميركية"، مضيفاً: " نستذكر جميع أحبائنا من الشهداء والضحايا والمصابين في تلك الأحداث المؤلمة".
وفي هذا السياق، دعت الحكومة الإيرانية، أمس الاثنين، المواطنين إلى المشاركة في مراسم أربعينية ضحايا الاحتجاجات، في طهران ومراكز المحافظات، بهدف" مواساة عائلات الضحايا والتخفيف من آلامهم".
رأى الخبير الإيراني صلاح الدين خديو لـ" العربي الجديد"، إن إقامة مراسم رسمية لإحياء ذكرى الأربعين لضحايا الاحتجاجات لا تسهم غالباً في تهدئة الأجواء الاجتماعية وتعزيز الرواية الرسمية بشأن حوادث القتل في 8 و9 من الشهر الماضي، معتبراً أن هذا المسار يعكس محاولة من الدولة لإدارة الأزمة على مراحل.
وأضاف أن السلطات، بعدما لاقت دعوات التظاهر من قبل نجل الشاه السابق رضا بهلوي في ليلتي 8 و9 من الشهر الماضي استجابة، افترضت وجود أبعاد خارجية للأحداث، خصوصاً في ظل الدعم العلني من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ما عزّز قناعة بوجود" مخطط معقّد" ضد إيران، وأفضى إلى تعامل أمني شديد مع المشهد، قائلاً إن الرواية الرسمية حول مجمل ما حصل في الليلتين تعرضت للتشكيك، حتى من قبل أوساط محافظة معتدلة وإصلاحيين داخل البلاد.
ولفت إلى أن الانتقال نحو خطاب التعاطف مع المحتجين، واعتبار القتلى" شهداء"، واتخاذ إجراءات تعويضية، يشكّل جزءاً من حزمة خطوات تدريجية لاحتواء تداعيات مقتل هذا الحدث الكبير الذي ترك بصماته على المجتمع.
ورأى خديو أن تكرار التجمعات في مناسبة الأربعين، إذا حدثت خلال اليومين القادمين، سيزيد المشهد تعقيداً، مؤكداً أن حجم هذه التحركات وتأثيرها لا يزالان غير واضحين.
بالتوازي، دعا ناشطون عبر الفضاء الإلكتروني إلى تنظيم إضرابات واعتصامات احتجاجية متزامنة مع مراسم الأربعين لضحايا الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر الماضي على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد وغير المسبوق في قيمة العملة الوطنية، واستمرت قرابة أسبوعين قبل أن تنتهي بأحداث دامية خلال ليلتي الثامن والتاسع من يناير.
وبحسب تقارير سابقة، قُتل خلال الأيام العشرة الأولى من الاحتجاجات نحو 35 شخصاً، قبل أن ترتفع حصيلة القتلى بشكل حاد خلال الليلتين الأخيرتين.
ووفق الأرقام الرسمية، بلغ عدد القتلى 3117 شخصاً، صنّفت السلطات 2427 منهم على أنهم" شهداء"، و690 آخرين باعتبارهم" مثيري شغب وإرهابيين"، ووصفت تلك الأحداث بأنها" فتنة أميركية" و" محاولة شبيهة بالانقلاب".
في المقابل، ترفض أطراف معارضة هذه الرواية، وتتهم السلطات بقتل المتظاهرين، فيما أعلن موقع" هرانا"، التابع لنشطاء حقوقيين إيرانيين في الولايات المتحدة الأميركية، أن عدد القتلى تجاوز سبعة آلاف شخص، وفق أحدث إحصاءاته.
كذلك نشرت الحكومة الإيرانية، خلال الشهر الماضي، أسماء الضحايا، معلنة أنها أسست منصة إلكترونية لتلقي شكاوى في حال وجود قتلى آخرين لم ترد أسماؤهم في القائمة.
وأفادت حسابات أقارب ثلاث ضحايا في مدينة أراك وسط إيران على منصات تواصل اجتماعي بأن قوات أمنية منعت إقامة مراسم الأربعين وتجمع عائلات القتلى عند مقبرة المدينة يوم الأحد الماضي، معلنين إلغاء أو تغيير مواعيد مراسم الأربعين الخاصة بذويهم، ومرجعين ذلك إلى" اعتبارات أمنية" و" قيود".
قال الأمين العام لحزب" الأخضر" الأصولي، حسين كنعاني مقدم، في مقابلة مع" العربي الجديد" إن المراسم الرسمية لإحياء الذكرى الأربعين لضحايا الأحداث الأخيرة يمكن أن تؤدي، " أولاً، دوراً مهدئاً للآلام والجراح التي خلّفتها تلك الأحداث الأليمة في نفوس المواطنين، وثانياً تشكّل حراكاً شعبياً داعماً للنظام، يعبّر عن وقوف الناس إلى جانبه".
وأوضح كنعاني مقدم أن هذه المراسم تحمل رسالة مفادها أن الذين وُضعوا في موقع وصفه بأنه" الدرع البشرية للعدو" أو الذين سقطوا قتلى خلال الأحداث، هم في جميع الأحوال أبناء هذا الشعب، مؤكداً أن النظام يتعامل معهم" من منطلق العفو والصفح والرحمة، ويضع في صدارة أولوياته تكريم شهداء الأمن".
وأشار كنعاني مقدم إلى أن كلمة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي اليوم الثلاثاء حول هؤلاء الضحايا جاءت في هذا السياق.
وأضاف أن تضامن النظام والدولة والمسؤولين، وتعاطفهم مع القتلى وعائلاتهم وأصدقائهم ومرافقيهم، من شأنه أن يكون" بلسماً لجراح المجتمع، وأن يخفف من آلام المتضررين من هذه الأحداث".
ورأى الناشط كنعاني مقدم في حديثه مع" العربي الجديد" أن هذا النهج سيسهم" في تعزيز وحدة القلوب والانسجام الوطني، ويقوّي مشاعر الثقة بين الشعب والسلطة"، حسب قوله.
قال المحامي الإصلاحي محمود علي رضا طباطبائي، في مقابلة مع" العربي الجديد"، إن إقامة مراسم تأبين رسمية يمكن أن تشكّل بلسماً لجراح عائلات الضحايا، شرط أن يتناول المتحدثون في هذه المراسم القضية بحياد تام، وأن تلتزم الدولة خلالها بالتعهد بمعالجة هذه المأساة بصورة نزيهة وغير منحازة.
وأوضح طباطبائي أن دفاع المتحدثين عن الرواية الرسمية للسلطة خلال هذه المراسم سيُفقدها القبول الشعبي، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكداً أن المجتمع لم يتقبل الرواية القائلة بأن هذه الكارثة كانت بالكامل من صنع عوامل أجنبية.
وأضاف: " صحيح أن تدخلاً أجنبياً حصل في المراحل الأولى، لكن جوهر القضية لم يكن نتيجة عوامل أجنبية".
وشدد على أن إزالة الغموض تمثل أولوية، داعياً الحكومة إلى الوفاء بما أعلنته سابقاً عبر تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، يمكن أن تضم شخصيات مستقلة وذات مصداقية، من محامين وشخصيات تحظى بثقة المجتمع، لتتولى التحقيق وتقديم تقرير شفاف للرأي العام.
كذلك طالب طباطبائي في حديثه مع" العربي الجديد" بأن تقدم الدولة اعتذاراً رسمياً عن أوجه القصور، ولا سيما تقصير الأجهزة الأمنية في التعرف إلى الجهات التي قيل إنها دخلت البلاد، ومنع وقوع الجرائم التي أودت بحياة المواطنين.
وأكد أن اتخاذ هذه الخطوات كفيل بإحداث أثر إيجابي حقيقي، محذراً في المقابل من أن تجاهلها سيؤدي حتماً إلى نتائج عكسية ويعمّق أزمة الثقة.
كذلك دعت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان، الشعب الإيراني إلى المشاركة الواسعة في مراسم أربعينية" شهداء الفتنة الأميركية الصهيونية الأخيرة"، واصفة المناسبة بأنها تعبير عن الوفاء لدماء الذين قال إنهم" ضحّوا في سبيل أمن البلاد ووحدتها".
والحرس الثوري الإيراني، من جانبه، أكد في بيان له أن إحياء أربعينية ضحايا حوادث القتل في 8 و9 يناير الماضي لا يُعد مناسبة زمنية عابرة، بل محطة استراتيجية لإعادة قراءة ما وصفه بـ" حرب الإرادات" مع ما سماه المحور الأميركي ـ الصهيوني، معتبراً أن تلك الأحداث جاءت في إطار" حرب هجينة" استُخدمت فيها احتجاجات مطلبية غطاءً لما وصفه بأنه" تحركات عنيفة مدعومة استخبارياً وحرب نفسية وإعلامية بهدف زعزعة الاستقرار وضرب التماسك الوطني".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك