في لحظة فارقة في مسيرة الصحافة في مصر، تفتح قاعات مجلس الشيوخ أبوابها لنقاشٍ لا يدور حول تنظيم مهنة، بل حول ماهية الحرية.
ما نوقش داخل لجنة الثقافة والإعلام ليس مجرد إجراءات لتنظيم التصوير، بل هو اختبار لميزان الثقة بين دولة تتبنى الجمهورية الجديدة وبين صحافة يُراد لها أن تظل أسيرة التراخيص.
إن الهجمة التي يقودها البعض تحت لافتة حماية الخصوصية، ليست في جوهرها سوى محاولة لشرعنة الرقابة المسبقة وإعادة إنتاج السلطة الأبوية على الفضاء العام، في زمنٍ لم يعد فيه المنع سوى مراهقة سياسية لا تصمد أمام طوفان التكنولوجيا والإعلام الجديد.
ياسر جلال وفخ تصوير “أقدام الممثلات”.
لقد اختار النائب والفنان ياسر جلال مدخلًا عاطفيًا، وربما دراميًا، لاستعراض مقترحه بشأن ضوابط النشر، حين تساءل باستنكار: هل تصوير أقدام الممثلات عمل صحفي؟ ورغم نبل المقصد المعلن في حماية الحرمات، إلا أن هذا المنطق يعاني من عوار بنيوي.
فمن الخطأ الفادح والجسيم أن يُبنى تشريعٌ عام يُقيد حرية الصحافة بناءً على تجاوزات مهنية أو سلوكيات صفراء لبعض المنصات غير المهنية التي لا تنتمي إلى الصحافة الحقيقية والمؤسسات الصحفية المرخص لها بالعمل، فهي غالبًا صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.
إن محاولة النائب ياسر جلال سحب الوقائع الفردية المبتذلة لتكون مسطرة يُقاس عليها العمل الصحفي الميداني هي محاولة لخلط الأوراق.
فالحياة الخاصة مصونة بالدستور فعلًا (المادة 57)، والقانون القائم يكفل معاقبة التشهير.
لكن القلق الحقيقي يكمن في قوله إن أي تصوير أو تسجيل يجب أن يتم وفق إجراءات صحيحة.
هذا التعبير المطاطي هو حصان طروادة الذي قد يُستخدم لمنع الصحفي من رصد مشاجرة في الشارع أو حادثة إهمال، بدعوى عدم وجود إذن.
إن الصحافة لا تستأذن الحقيقة لتظهر، والكاميرا في الميدان العام هي عين المجتمع، وليست أداة لاقتحام غرف النوم.
أما النائب ناجي الشهابي، فقد قدم مفارقة مؤلمة؛ حين استدعى تاريخه النضالي ودفاعه عن الحرية الذي كلفه السجن، ليصل في النهاية إلى نتيجة مقلقة مفادها أن الأمور زادت عن حدها.
إن القول بأنه ليس كل ما يُصوَّر يُنشر، هو كلمة حق يُراد بها باطل.
فمن الذي يقرر ما يُنشر؟ هل هو محرر الديسك بميثاقه المهني، أم الرقيب بتصريحه الأمني؟إن الاستشهاد بواقعة" ميت عاصم" أو التشهير بشاب هو حديث عن أخلاقيات مهنة تُعالج عبر نقابة الصحفيين ومواثيق الشرف الصحفي والإعلامي، وليس عبر قوانين تُكبل الجميع بـ الإذن المسبق.
إن الحرية التي دافع عنها الشهابي في شبابه لا يمكن حمايتها اليوم بوضع الأصفاد والقيود والأغلال على عدسات المصورين وأقلام الصحفيين.
لأن البديل عن الصحافة المهنية (التي قد تخطئ وتصيب وتراجع نفسها بل وتحاسب) هو صحافة الأشباح على وسائل التواصل التي لا تخضع لأي قانون.
في مقابل هذا التوجس، جاء صوت النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، كصوت للعقل والواقعية المهنية.
لقد وضع مسلم، الصحفي المخضرم، النقاط على الحروف حين أعلن بوضوح: نحن ضد أي قيد على الصحافة.
إن عبقريته في الوصف حين قال: “الصحفي ليس على رأسه ريشة، لكن الكاميرا والقلم على رأسهم ريشة”، تلخص فلسفة الحصانة المهنية.
فالحصانة ليست للشخص، بل لـ الدور.
الكاميرا على رأسها ريشة؛ لأنها تكشف الفساد والتجاوز، ولأنها الضمانة الوحيدة لعدم سيطرة الرواية الواحدة على المجال العام.
لقد أصاب مسلم كبد الحقيقة حين فرق بين الخصوصية والعمل الصحفي في المجال العام؛ فالمسؤول أو الشخصية العامة في الأماكن العامة لا يمكنه التذرع بالخصوصية لمنع التوثيق.
وحسنًا قال: لو كل واحد هقوله هستأذنك أصورك، يبقى السادة الصحفيين هيقعدوا في البيت! وهذا هو الرد العملي على مثالية ياسر جلال غير الواقعية.
الصحافة هي حركة وحدث، وليست صور استوديو مُنمقة ومُعدّة سلفًا.
لا يمكن قراءة هذا المشهد دون الانحياز الكامل لموقف نقيب الصحفيين، خالد البلشي، الذي وصف المادة (12) بأنها كارثة.
البلشي لم يتحدث من فراغ، بل من واقع مرير تحولت فيه الصحافة من تغطية قضايا الحياة العامة إلى صحافة الجنازات.
إن الإذن المسبق في لغة السياسة يعني المصادرة.
وحين يطالب البلشي بـ قانون لتداول المعلومات، فإنه يطرح الدواء الناجع لداء الشائعات.
إن الدولة التي تخشى الكاميرا هي دولة تترك فراغًا بصريًا تملؤه منصات الخارج المتربصة.
الحل ليس في المنع، بل في الحرية؛ فالحرية هي التي تجعل الصحافة الوطنية قوية، وقادرة على هزيمة الروايات المفبركة.
بينما تنشغل لجنة الإعلام بـ ضوابط التصوير، تعلن الحكومة عن حزمة حماية اجتماعية بـ 40 مليار جنيه.
هنا تبرز العلاقة الجدلية: كيف يمكن للمواطن أن يثق في وصول هذا الدعم دون صحافة استقصائية ترصد وتوثق؟ كيف سنحارب احتكار السلع إذا كان تصوير المحتكرين والحديث عنهم يحتاج إلى إذن مسبق؟إن الصحافة الحرة هي جهاز إنذار مبكر للدولة.
والتضييق عليها في هذه اللحظة هو انتحار سياسي.
الشفافية ليست عبئًا، بل هي التي تمنح الحزمة الاجتماعية مصداقيتها.
المجتمع الذي يرى تجاوزات المسؤولين تُنشر ويُحاسبون عليها، هو مجتمع أكثر صبرًا وتفهمًا للأزمات.
الحقيقة التي يتجاهلها دعاة التقييد هي أن الصحفيين والإعلاميين لديهم نقابات عريقة.
التجاوزات التي ذكرها النائبان جلال والشهابي تُعالج بـ تفعيل المواثيق المهنية والعقوبات النقابية، وليس بتشريعات تفتح الباب لرجال الإدارة والشرطة للتدخل في العمل الصحفي تحت ذريعة عدم الحصول على تصريح.
إن فوضى التصوير التي يتحدثون عنها هي نتاج السيولة التكنولوجية التي لا يوقفها قانون.
المنع سيوقف الصحفي الملتزم فقط، وسيترك الهواة وأصحاب الأجندات يصورون وينشرون بحرية مطلقة بعيدًا عن أي ملاحقة نقابية.
وبذلك يكون التشريع المقيد هو مكافأة للفوضى وعقاب للمهنية.
إننا أمام لحظة اختيار: هل نريد إعلامًا مُعقمًا يغرد في سرب الحكومة ولا يرى سوى ما يُسمح له برؤيته؟ أم نريد إعلامًا حيًا يكون شريكًا في البناء عبر النقد وكشف العوار؟الحرية ليست منحة من أحد، بل هي حق دستوري وضرورة وجودية.
وتصوير أقدام الممثلات - برغم ابتذاله- لا يمكن أن يكون تكئة لهدم معبد الحرية فوق رؤوس الجميع.
إن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه الحجب، بل يصنعه الوضوح.
وكما قال محمود مسلم، فإن القلم والكاميرا على رأسهما ريشة، ليس تعاليًا على المجتمع، بل تشريفًا لمهنة البحث عن الحقيقة التي لا تقبل القسمة على إذن مسبق.
اتركوا الكاميرات تعمل، واتركوا الأقلام تكتب.
فالوطن الذي يُرى بصدق، هو الوطن الذي ينجو بصدق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك