في خضم الوثائق الجديدة التي تكشفت ضمن ملفات جيفري إبستين، برز تفصيل لافت يتجاوز العلاقة بين الملياردير الأميركي المدان وشخصيات سياسية إسرائيلية، ليطاول بعداً أمنياً حساساً.
فقد أقر نمرود برئيل، نجل زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، في مراسلات خاصة مع إبستين، بأنه خدم بين عامي 2002 و2007 في" وحدة استخبارات سرية للغاية" في الجيش الإسرائيلي.
الاعتراف، الذي جاء في سياق رسالة شخصية لا يفترض أن تكون علنية، يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، وحول حدود الإفصاح عن معلومات تتعلق بوحدات يحظر عادة على خريجيها التصريح بخدمتهم فيها.
ونمرود هو ابن نيلي برئيل زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقاً إيهود باراك، الذي ورد اسمه في وثائق إبستين آلاف المرات.
العلاقة بين إبستين ووزير الأمن الإسرائيلي في حينه باراك كانت معروفة؛ إذ أقر الأخير بأنه زار منازل إبستين أكثر من مرة، لكنه زعم أنه لم يحضر أبداً أي حفلات أقامها المجرم الذي ربطته علاقات وثيقة أيضاً مع كبار الشخصيات والمسؤولين النافذين حول العالم.
بعد" انتحاره" في زنزانته عام 2019، صرح باراك: " كنت أفضل لو لم تنشأ العلاقة بيننا"، علماً أن باراك كان على علم بإدانة إبستين بالاعتداء الجنسي على قاصرات.
في الدفعة التي تكشفت أخيراً، نشرت وزارة العدل الأميركية أكثر من 4000 وثيقة ورد فيها اسم باراك، جزء منها كان عبارة عن تبادل روابط إخبارية تتعلق بإسرائيل، وأخرى عبارة عن رسائل بريد إلكتروني شملت تهاني وحديثاً عن الأعمال والاستثمار (بينها في شركة أمن تكنولوجية أسسها باراك) والمساعدة في الروابط والعلاقات والاجتماعات والزيارات، فضلاً عن التنسيق اللوجستي أثناء زيارات باراك إلى نيويورك وإقاماته مع زوجته نيلي في شقق إبستين.
بالعودة إلى نمرود، الذي يشغل هذه الأيام منصب المدير التنفيذي في شركة cord، وشغل في السابق رئيس قسم Core Data Science في شركة فيسبوك، فقد أرسل رسالة إلى إبستين شكره فيها على المساعدة في قبوله في جامعة نيويورك، وقال: " لقد كان هذا (القبول في الجامعة) حلماً بالنسبة لي، وأشعر بأنه خطوة كبيرة في طريقي نحو تحقيق أهدافي.
أقدّر جداً نصائحك ومساعدتك، خاصةً في ظل ضيق الوقت".
ويضيف: " بالمناسبة، خلال مكالمتنا أوصيتني بكتاب معين يتناول موضوع التعلم الآلي، وأظن أن الاسم الذي سمعته كان The Prediction Machine، لكن يبدو أنني أخطأت لأنني لم أتمكن من العثور عليه.
هل تتذكر اسم الكتاب؟ "، ويختم رسالته بشكر إبستين مع توقيعه" نمرود برئيل".
لكن الرسالة المذكورة لم تكن الوحيدة بينهما؛ فقبلها بشهر واحد بعث نمرود إلى جيفري رسالة يسأله فيها عما إذا كان قد تسلم منه بريداً إلكترونياً آخر أرسل فيه سجلاته الأكاديمية.
في البريد المذكور أخبر برئيل إبستين بأنه أجرى اختبار GRE وأنه حصل على علامة 800 في الجزء الكمي و630 في الجزء اللفظي، وأن روجر إيهرنبرغ، مؤسس صندوق التحوط (الذي عمل فيه نمرود)، قدمه إلى مدير معهد كورانت للرياضيات، البروفيسور ليسلي غرينغارد.
في بريد إلكتروني سبق هذه الرسالة أيضاً، بعث نمرود إلى جيفري نسخة من سجله الأكاديمي الذي وصفه بـ" الغريب" نظراً لأنه لم يكن قد تخرج بعد ونال النسخ الرسمية من السجلات النهائية.
في رسالته ذكر أنه أعفي خلال دراسته الجامعية من مادتي التفاضل والتكامل والجبر الخطي في الرياضيات بسبب تحصيله درجات عالية في الرياضيات وعلوم الحاسوب أثناء دراسته الثانوية؛ حيث حصل على درجات 84 و100 على التوالي.
وذكر فيها أيضاً أنه درس في سنته الثانية في علم الأحياء خوارزميات التعلم بالفروق الزمنية (في علم الأعصاب الحاسوبي)، فيما كان مشروع تخرجه الخاص بالرياضيات حول نظرية الانحراف الكبير.
بالإضافة إلى ما تقدم، ذكر برئيل أنه يقرأ كتباً كاملة حول نظرية القياس والإحصاء والتعلم الآلي، والخوارزميات ونظرية الأعداد.
وإذ لا تبدو غريبة مشاركة برئيل إبستين اهتماماته بالعلوم والرياضيات، لأن الأخير نفسه كان قد التحق بمعهد كورانت لعلوم الرياضيات في جامعة نيويورك، حيث درس الفيزيولوجيا الرياضية، لكنه غادره دون أن يحصل على شهادة، إلا أن المدهش هو عمق العلاقة بين الطرفين، إلى حد أن نمرود كتب في بريده مصارحاً إبستين بأنه بين" عامي 2002 و2007 خدم في وحدة استخبارات سرية للغاية في الجيش الإسرائيلي"، مع العلم أن الإسرائيليين الذين يتجندون في الوحدات الاستخبارية والأمنية يحظر عليهم التصريح بذلك، وحتى عندما يقتلون تظل أسماؤهم طي الكتمان إلى أن تسمح الرقابة العسكرية بكشفها.
العلاقة بين برئيل وإبستين استمرت بعد ذلك، وشملت أحاديث حول دراسته الأكاديمية، وسكنه في نيويورك وغيره، ويبدو أنها تطورت بعد ذلك لمجالات أخرى؛ ففي إحدى الرسائل بينهما كتب إبستين لنمرود: " شكراً على منتجات إسرائيلي أهافا، الفتيات أحببنها".
وكان إبستين يقصد منتجات ترطيب وكريمات للبشرة تصنعها شركة إسرائيلية تدعى" إسرائيلي أهافا (الحب الإسرائيلي)" من مواد طبيعية مستخرجة من البحر الميت، أحضرها نمرود معه هدايا من تل أبيب للفتيات اللواتي ربما كنّ ضحايا استغلهن إبستين.
في الرسالة ذاتها، يسأل إبستين برئيل" ماذا حدث مع أكاماي؟ " (Akamai Technologies, Inc)، وهي شركة أميركية متخصصة في شبكات توصيل المحتوى (CDN)، والأمن السيبراني، والتخفيف من هجمات حجب الخدمة الموزعة (DDoS)، وخدمات الحوسبة السحابية، ويقع مقرها الرئيسي في كامبريدج، ماساتشوستس.
وعلى ما يبدو، فإن باراك اجتمع مع القيمين على الشركة المذكورة بصحبة الابن برئيل ووالدته نيلي لإقناعهم بشراء تقنيات أمن سيبراني.
ومن غير الواضح ما إذا كانت قد وقعت أي عقود لاحقاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك