رحل الدكتور مفيد شهاب تاركاً خلفه فراغاً لا يملأه سوى سيرته العطرة التى خطها بإخلاصه ونبله وانحيازه الدائم للوطن.
لم يفقد الوطن عالماً كبيراً فحسب، بل ودّع سيرة إنسانية ووطنية نادرة، كتبت حضورها بهدوء، وتركَت أثرها بعمق، دون صخب أو ادعاء.
رحل الدكتور مفيد شهاب، وستبقى القيم التي عاش لها، وملامح عطائه حاضرة في وجدان مصر التي عشقها، وقدم له الكثير والكثير، وفي ذاكرة أجيال تعلمت على يديه معنى أن يكون العلم رسالة، وأن تكون الوطنية فعلاً يومياً ومسئولية لا تنقضى حتى آخر العمر.
رحل الرجل الذي استطاع أن يجمع في شخصه بين العالم، والسياسي، والأستاذ.
والمربي، والإنسان الذى جعل من خدمة الوطن رسالة حياة، وليست مجرد منصب يتولاه أو موقع يشغله.
كان مفيد شهاب ظاهرة فريدة في المشهد المصري، فهو من آمن بأن العلم مسئولية، وأن المعرفة لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالانتماء.
عندما تولى موقعه كأمين عام لمنظمة الشباب الاشتراكى، لم يكن مجرد مسئول يمارس عمله، لكنه كان معلماً للأجيال، يغرس في نفوس آلاف الشباب أن الانتماء الحقيقى ليس بالشعارات، وإنما بالأفعال، والوعى المبنى على أسس راسخة من المعرفة والإخلاص، وأن العمل العام ليس طريقاً للوجاهة، بل اختبار دائم للنزاهة والانحياز للوطن.
في قاعات الجامعة، عرفه طلابه أستاذاً لا يكتفي بشرح النصوص، بل يفتح العقول على أوسع الآفاق، ويغرس في النفوس احترام القانون، وقدسية الحق، ومعنى المسئولية العامة.
وكل أولئك الشباب ممن تتلمذوا على يديه، حملوا راية العطاء في مختلف الميادين، وكانت بصماته واضحة في عقولهم ووجدانهم.
وفي واحدة من أنصع لحظات التاريخ المصرى الحديث، كان الدكتور مفيد شهاب حاضراً في الصفوف الأولى ضمن فريق الدفاع عن حق مصر في قضية تحكيم طابا.
محطة طابا هى الأنصع في مسيرته الحافلة، تلك المعركة القانونية التي خاضتها مصر باستبسال من نوع آخر.
لم تكن المعركة بالسلاح، بل بالحقائق والخرائط والوثائق، وبالوعى القانوني الذي تميز به فريق من خيرة العقول المصرية، كان من بينهم الدكتور مفيد شهاب حاضراً في الصفوف الأولى.
أثبت الرجل - ورفاقه - لكل الأجيال أن القانون يمكن أن يكون سلاحاً فتاكاً في يد صاحب الحق، وأن استرداد التراب الوطنى لا يحتاج فقط إلى الجندى المقاتل على الحدود، لكنه يحتاج أيضاً إلى العالم، والباحث في أرشيفه، والمناضل العاشق لوطنه في كل المحافل الدولية.
إن الإجماع على الصفات الحميدة للدكتور مفيد شهاب، الذى ميز كل بيانات النعي التي صدرت عن مختلف القوى الوطنية والأحزاب السياسية، والمنظمات الرسمية كالأزهر الشريف، ووزارة الخارجية، وعن الجامعة المصرية، لم يكن مجرد بروتوكول يليق برحيل قامة بحجمه.
عبرت كل البيانات تعبيراً صادقاً عن حقيقة يعرفها كل من اقترب من هذا الرجل أو تابع مسيرته: أنه كان وطناً يمشى على قدمين.
فهو الوطنى الصادق، وهو العالم الجاد الذى لم يجعل من علمه وسيلة للترفع عن الناس، بل جعله جسراً للتواصل معهم وخدمتهم، وهو الإنسان الذى آمن بأن الكرامة الإنسانية قيمة لا تقل أهمية عن السيادة الوطنية.
عاش الراحل وفياً لمصر، منحازاً لشعبها، مؤمناً بدولتها.
لم يسع يوماً إلى مجد شخصي، بل كان المجد الحقيقي هو الذي يسعى إليه، تاركاً سيرته تمشى بين الناس في هدوء الأوفياء، شاهدة على إخلاصه ونبله.
في زمن صارت فيه المصلحة الشخصية هى البوصلة الوحيد للكثيرين.
ظل مفيد شهاب نموذجاً للرجل الذى يقف حيث يجب أن يقف، مع الحق، مع الوطن، مع الضمير.
مصر وهى تودع هذه القامة الوطنية الكبيرة، تستحضر معنى أن يكون الإنسان مصرياً أصيلاً.
رحل الدكتور مفيد شهاب، لكن ذكراه ستبقى حية في ضمير هذا الوطن، وفي ذاكرة أجياله المتعاقبة، نموذجاً يُحتذى للعالم الوطنى، والسياسى الإنسان، والمصرى الذى عاش كريماً شامخاً، ورحل تاركاً أثراً لا يزول، وقيمة لا تُنسى، واسماً سيظل علامة مضيئة في تاريخ مصر الحديث.
وفي زمن تتعطّش فيه الأوطان للنماذج الصادقة، يبقى اسم الدكتور مفيد شهاب علامة مضيئة، تذكّرنا بأن خدمة الوطن شرف، وأن الإخلاص قيمة لا تموت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك