على الذين انهالوا على المقاومة الشريفة في غزة بالنقد الجارح وحمّلوها مسؤولية كلِّ ما وقع هناك من مجازر وتدمير وتهجير بسبب هجوم 7 أكتوبر 2023، أن “يتكّرموا” ويشرحوا لنا الآن أسباب هذا التغوّل الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة وقيام جيش الاحتلال والمستوطنين معا بهجمات مركَّزة أدّت إلى تهجير الآلاف من أبناء الضفة من بيوتهم وتشريدهم، وصولا إلى المصادقة على قرار يتيح الضمّ الفعلي لأراضي الضفة واعتبارها “أملاك دولة”؟ ! هل قام الفلسطينيون بـ7 أكتوبر آخر هناك حتى يواجهوا مثل هذه الهجمات والاعتداءات والتهجير؟ !
في الضفة يقوم الجيش الصهيوني بتدمير يومي واسع للبيوت في جنين ونابلس وطولكرم ومناطق أخرى منذ أزيد من سنتين بذريعة أنّها بؤرٌ للمقاومة ويجب “تطهيرُها”، ما أدّى إلى تهجير الآلاف من سكانها الذين أصبحوا فجأة مشرَّدين بلا بيوت، ولم يقتصر الأمرُ على ذلك، بل أطلق جيش الاحتلال العنان لآلاف المستوطنين ليقوموا بدورهم بـ”غارات” يومية على قرى الفلسطينيين وبيوتهم ومزارعهم وأشجارهم وسياراتهم ليحرقوها تحت حمايته الكاملة، وفي ظلّ تواطؤ دولي سافر وعجز عربي مُهين وصمت مريب من السلطة الفلسطينية التي لجمت 70 ألفا من عناصر شرطتها فلا تطلقهم إلا لملاحقة المقاومين الشرفاء في إطار “التنسيق الأمني” المخزي، بدل حماية المدنيين الفلسطينيين وأملاكهم.
هذا التواطؤُ الدولي والعجز الفلسطيني والعربي الرسمي، هو الذي شجّع الاحتلال على المرور إلى مرحلةٍ أخطر بكثير وهي ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية من دون إعلان صريح عن الضمّ، وبطريقة التفافيةٍ تهدف إلى تحجيم ردود الأفعال الدولية؛ إذ صادقت حكومة الاحتلال الأحد 15 فبراير على قرار جديد يتيح لها الاستيلاء على أراض شاسعة بالضفة الغربية المحتلة عبر تسجيلها كـ”أملاك دولة”، وتقع هذه الأراضي في المنطقة “ج” التي تمثل 61 بالمائة من الضفة، فماذا أبقى الاحتلالُ إذن للفلسطينيين لإقامة دولتهم؟ !
وللتوضيح، يعني قرار “أملاك الدولة” إمكانية نزع ملكية الأرض من الفلسطينيين وتسجيلها باسم “الدولة” الصهيونية، ومن ثمّ نقلها إلى المستوطنين لاحقًا، وبذلك ستُصادَر أراض شاسعة من الضفة توارثها الفلسطينيون أبًا عن جد من دون أن تسمح الظروف بتسجيلها وتوثيق مِلكيتها.
وبموجب هذا القرار الصهيوني السافر، سنشهد تهجيرا كبيرا للفلسطينيين وتوسُّعا غير مسبوق للاستيطان وتغييرا ديمغرافيا كبيرا على الأرض.
وبذلك يشبه، في جوهره، قوانينَ عنصرية عديدة سنّها الاستعمارُ الفرنسي في الجزائر بين 1830 و1873 واستولى بموجبها على أراضي “البايلك” العمومية ثم على أخصب أراضي “العرش” ومنحها للمعمّرين الفرنسيين والأوربيين، لينشر بذلك فقرا واسعا بين الجزائريين ويُجبرهم على النزوح إلى مناطق جبلية فقيرة أو التحوّل إلى أجراء في أرضهم لدى المعمّرين.
القرارُ الصهيوني الجديد سيتيح للاحتلال حريةَ العمل على 61 بالمائة.
من الضفة الغربية، أي على المناطق المصنفة “ج”، وإلحاقَها بالسيادة الصهيونية، وملأها بالمستوطنات، ولن يبقى بعدها سوى أجزاء صغيرة من الضفة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية هي مناطق “أ” و”ب”، ما دفع وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى القول صراحة “إننا نواصل ثورة الاستيطان في جميع أنحاء أرضنا”.
منذ أسابيع قالها نتنياهو بوضوح: “نريدها دولة إسرائيلية من النهر إلى البحر”، وذلك ردّا على المقاومة التي طالما أكّدت أنّ هدفها هو تحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر، وبين المقولتين يتّضح لكلّ ذي بصيرة أنّه لا مكان لدولتين تتعايشان سلميًّا جنبًا إلى جنب كما تزعم السلطة الفلسطينية منذ أوسلو 1993 إلى اليوم، وكما يزعم العرب منذ أن صادقوا على “المبادرة العربية للسلام” 2002 إلى حدّ الساعة؛ فإمَّا أن تصبح فلسطين حرّة بأكملها بعد أن تنجح المقاومة في كنس السرطان اليهودي منها إلى الأبد، أو يقضي الاحتلالُ على المقاومة كليا في غزة والضفة ويقيم “إسرائيل” من النّهر إلى البحر، في مرحلةٍ أولى على درب “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، وحينها سيتحوّل من يبقى من الفلسطينيين في أرضهم إلى مجرّد خدم للاحتلال، تماما كالهنود الحمر في أمريكا، مع إمكانية الإبقاء على السلطة الفلسطينية لتواصل توفير الحماية لقطعان المستوطنين والتنسيق الأمني مع الاحتلال ضدّ أيِّ بقايا محتملة للمقاومة، وإلا فإنّ مصيرها هو الحلُّ والاندثار.
إنها النتيجة الحتمية لمسلسل “السلام” الوهمي الذي بدأ في أوسلو سنة 1993 ودام 33 سنة كاملة كانت فيها السلطة الفلسطينية والعرب يدفنون فيه رؤوسهم في الرمال كالنعامات حتى لا يروا هذه الحقيقة؛ حقيقة أنّ الاحتلال يريد ابتلاع فلسطين كلها ولا يرضى بحلّ الدولتين، وأنّ المقاومة –التي يناصبونها العداء ويكيدون لها بلا هوادة- هي الحلُّ الأمثل لتحرير الأرض والمقدسات.
والآن لم يعُد هناك حلٌّ في الأفُق لهذا الوضع القاتم إلا بتفجير انتفاضة شعبية ثالثة تتجاوز جبن السلطة وتتصدّى لأطماع الاحتلال، وإلا فلنقرأ على القضية الفلسطينية السَّلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك