حَملت عودة العلاقات الجزائرية النيجرية إلى طبيعتها أكثر من دلالة سياسة واقتصادية وأمنية أسْعَدت شعبي البلدين وشعوب المنطقة برمتها بكل تأكيد.
الدلالة الأولى أن البلدان الإفريقية هي في حاجة إلى التقارب بدل التنافر مهما كانت الصعوبات، ذلك أن التنافر يعني بالضرورة دخول الأجنبي للتفرقة أكثر ولمنع أي تقارب أو اتحاد في المواقف.
ولذلك فإن زيارة الرئيس النيجري الأخيرة للجزائر وضعت حدا لِمحاولات عديدة قامت بها قوى تبحث عن تخريب العلاقات البينية بين الجزائر ودول الساحل وبين دول الساحل بعضها ببعض، وعزّزت في المقابل منهجية الاعتماد على الحلول الإقليمية للمشكلات المطروحة إن كانت اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية.
ويُعَد هذا في حد ذاته إنجازا للبلدين، ورسالة واضحة لعدة أطراف راهنت على إشعال نار الفتنة بين الجزائر وجيرانها التي ربطتها بهم علاقات طبيعية منذ عقود من الزمن ناهيك عن العلاقات الشعبية الضاربة بعمقها في التاريخ.
الدلالة الثانية أن أي تعزيز لِعلاقة بين دولتين افريقيتين يعني تعزيز لِموقفهما التفاوضي مع القوى الدولية في كافة المجالات، فما بالك إذا كانت الدولتان جارتان وتربطهما أواصر الأخوة والصداقة وحسن الجوار وبينهما مصالح مشتركة.
وفي النموذج الجزائري النيجري، بكل تأكيد سيتعزز الموقف التفاوضي النيجري مع أوروبا في مجالي اليورانيوم واتفاقيات الهجرة وسيتعزز الموقف التفاوضي الجزائري مع نفس الشريك في مجال الطاقة والتعاون الاقتصادي، خاصة ضمن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء من نيجيريا والتي تحاول بعض الأطراف منع تجسيده لِما له من آثار اقتصادية وجيواستراتجية إيجابية على البلدان الثلاثة: نيجيريا، النيجر، الجزائر.
الدلالة الثالثة أن إعادة بناء العلاقات بين دولتين افريقيتين مثل الجزائر والنيجر فيه فتح لآفاق تعاون مزدهر مستقبلا بين الدول الإفريقية ذاتها وتأكيد لِفكرة أن أفضل أسلوب لمحاربة التطرف وتعزيز الاستقرار هو ذلك القائم على تنمية الحدود المشتركة بين البلدين وتعزيز التبادل التجاري بين المناطق المتجاورة، وتعزيز التعاون المشترك في مجالات التنمية المختلفة على غرار مخرجات الزيارة الأخيرة للرئيس النيجري التي شملت من بين ما شملت اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والصحة والتعليم والبنية التحتية.
ولا شك أن الكفاءات الإفريقية اليوم أصبحت قادرة لرفع مثل هذه التحديات وقد توفرت اليوم الإرادة السياسية لتمكينها من ذلك.
الدلالة الرابعة أن أهم ما يَنتج عن مثل هذه العلاقات البينية الناجحة بين دولتين جارتين كالجزائر والنيجر هو تعزيز الأمل لدى الشعوب الإفريقية في أن الخروج من الاستقطاب الدولي لا يتم إلا من خلال التعاون البيني بين الشعوب والحكومات الإفريقية باعتباره السبيل الوحيد لوضع حد لمحولات بعض القوى مُمثِّلة الاستعمار التقليدي وأخرى جديدة على الساحة الإفريقية، لِخلق أجواء من الفتنة والصراع بين الأشقاء والجيران تسمح لها بمواصلة نهب ثروات القارة والمتاجرة بدماء أبنائها.
وأخيرا نأمل أن تكون مثل هذه العلاقات المبنية على الثقة ومبدأ التعاون الشامل أنموذجا لكافة الدول الإفريقية التي تعرف فتورا في العلاقات أو صعوبات في التواصل، لِتكسر الجليد وتعيد بناء علاقاتها البينية على أساس الاحترام والتعاون والمشترك، ذلك أن كل خلاف وكل جفاء وكل نزاع بين دولتين افريقيتين يُعتبر مدخلا لقوى الشر، تُؤجج من خلاله الأوضاع وتَدفع بأبناء القارة نحو الصراع بدل التعاون ونحو الجفاء بدل الأخوة بِهدف مزيد من السيطرة والنهب والاستمرار في الاحتلال بأشكال أخرى.
قارتنا الافريقية ملك لنا، وخلافاتنا نحلها بالوسائل السلمية بيننا، وشعارنا من الآن فصاعدا الأولوية للخيارات الإقليمية، الأولوية للخيارات الإفريقية، الأولوية لإفريقيا التي ينبغي أن تستعيد مكانتها في العالم وأنْ تقود الجنوب العالمي….

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك