جمعتني بالزميل محمد لغروس علاقات مهنية وأخوية.
كان صحفيا في جريدة التجديد، وكنت حينها رئيس تحريرها.
كان مثالا للصحفي المهني الجاد والمقتدر، صحفيا متمكنا وشجاعا، طموحا ومقداما.
لقد كان أحد أعمدة التجديد المهنية، وكانت إنتاجاته نوعية، وكان من النماذج الناجحة في طاقم الجريدة، صحفيا متمكنا في الأجناس الصحفية الكبرى، من حوارات وتحقيقات وربورتاجات، وصحفيا يتمتع بمصادر واسعة ومتنوعة.
كان منضبطا لنظام العمل، ويتمتع بروح الفريق وما تقتضيه من أخلاق التعاون والتشارك.
كنت من الذين حدثهم لغروس عن مشروعه “العمق المغربي”، وتشارك معي بعض همومه.
حدثني عن الصعوبات والتحديات، وعن الأبواب المغلقة والوعود الخاوية، وعن عقبات يتخلى بسببها كثيرون، بينما قرر هو مواجهتها ليستمر في سبيل تحقيق حلمه.
واكبت تجربة جريدة العمق من بدايتها إلى اليوم، وأعتبرها شخصيا نموذجا للمقاولة الإعلامية الناجحة على مختلف الأصعدة، تجربة تستحق أن تدرس في المعاهد إلى جانب تجارب أخرى، ليستخلص الشباب الدرس عن معنى أن يكون لك مشروع إعلامي تؤمن به.
جريدة العمق من الجرائد القليلة التي يمكنك أن تحاكمها إلى خطها التحريري، وأن تقيس مدى التزامها به.
وأقل ما يمكن أن تجده واضحا لا غبار عليه هو أن جريدة العمق لا تمارس الاستهداف، ولا تنخرط في لعبة قتل الخصوم بالوكالة.
اتبعت جريدة العمق منهجا في العمل جعل منها مدرسة إعلامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
مؤسسة تلتزم بشكل صارم بقواعد المهنة، وتحترم أجناسها الصحفية، وتبدع في أنواع المحتوى الرقمي.
ويمكن القول بكل ارتياح إنها من أقوى الجرائد من حيث المحتوى الإعلامي المتنوع والغني.
العمق مؤسسة تحافظ على التكوين المستمر لمواردها، وتستمر في تطوير عملها، وتشرك طواقمها، وتعترف بخبراتها وتحفزها.
بقيت علاقتي متواصلة بالزميل محمد لغروس بعد أن غادر التجديد وأصبح مدير نشر جريدة العمق المغربية.
لم يغيره نجاحه الذي بناه بعرق جبينه، كما تغير كثيرون ممن يمكن أن نقول إنهم “نجحوا”.
بقي في صباغته كما يقول المغاربة.
فإلى جانب رقيه المهني وتألقه كوجه إعلامي معروف في المغرب، سجل حضوره العلمي الأكاديمي أيضا، وهو ما يؤهله لمواصلة مساره وتحقيق طموحه في “بلوغ النجوم” كما يقول دون تردد.
لغروس كما أعرفه شخص طموح، ديناميكي، مقدام، له شخصية مستقلة في فكرها، ولها آراؤها ومواقفها.
والأهم من ذلك أنه شخص لا يضيق بالاختلاف، ولا يسعى إلى الإقصاء أو الهيمنة.
إن من يؤمن بالتجارب الإنسانية ويقدرها لا يمكن أن يرى في محمد لغروس إلا تجربة ناجحة تستحق كل التشجيع.
هل يعني ما سبق أن محمد لغروس لم يتطور في فكره ومواقفه؟ لا، أبدا.
فقد يكون ابتعد أو اقترب من هذه الفكرة أو تلك، ومن هذا الموقف أو ذاك، أو من هذا التوجه الفكري أو السياسي أو غيره.
لكن هل يبرر هذا أن ينظر إليه بغير العدل؟هل يعني ما سبق أن محمد لغروس ملك من ملائكة الرحمن؟ لا، أبدا.
إنه شخص له أخطاؤه كما لنا جميعا أخطاء.
لكن هل من أخطاء محمد لغروس أنه نجح في تسجيل 150 شراكة إعلامية، من ضمنها شراكة مع شركات لرئيس الحكومة عزيز أخنوش؟جميع المقاولات الإعلامية الخاصة، وبدون استثناء، تسعى إلى عقد شراكات مع الشركات والقطاعات الحكومية والأحزاب والمنظمات وغيرها من الهيئات.
لماذا؟لأن المورد الأساسي لهذه المقاولات الإعلامية هو الإشهار وهذه الشراكات الإعلامية.
إن المشكلة ليست في أن تكون للعمق المغربي شراكات إعلامية مع شركات لرئيس الحكومة.
المشكلة تكون حين تتحكم هذه الشراكات في الخط التحريري للجريدة، فتتحول إلى بوق للدعاية، وإلى عصا غليظة تسلط على الخصوم.
فحين نسجل خطابا دعائيا لجهة ما، أو خطابا يستهدف خصومها في المحتوى الذي تنشره العمق، حينها فقط يمكننا اتهامها بأنها باعت قرارها التحريري.
وعلى كل حال، كما للأشخاص حرية الفكر والاعتقاد، فللجرائد أيضا حرية اختيار خطوطها التحريرية.
ولا يمكن محاكمة الاختيارات التحريرية انطلاقا من انحيازاتنا السياسية، إذ تبقى قواعد المهنة وأخلاقياتها هي الحكم.
والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك