في مقهى ” Espace Biladi” بمنطقة حد بوحسوسن، المقهى اليتيم الذي نهرب إليه للمطالعة لا سيما وقت الامتحانات، دار حوارٌ بين شخصين؛ أحدهما متخصّص في الفيزياء، والآخر في علم الاجتماع.
كان الأوّل يكلّم الثاني من علٍ، تحت ذريعة قالها باستخفاف:
استفزّني المشهد، فتدخّلتُ دون استئذان، وسألتُ المتعجرف:
— ترى، هل اللغة تنتمي إلى التخصّصات الأدبية أم العلمية؟— إلى الأدبية، ولكن ما علاقة هذا بذاك؟— لأنّ العلوم متداخلة، ولا يمكن فهم الفيزياء دون أفق لغوي، أو بالأحرى دون نظرة أدبية.
وخير دليل على ذلك أنّك لا تستطيع التفكير دون لغة.
عدتُ إلى البيت مسرعًا، فأفْضتُ بالقلم في متاهات البياض، محاولًا استنطاق المسكوت عنه في هذا الموضوع الشائك، الذي يثير ضجّة بين المتمدرسين وطلبة الجامعات.
ولطيّ هذا الخلاف الشكلي، عبستُ وبصرتُ ثم ابتسمتُ ونظرتُ، وحاولت في النهاية معالجة المسألة من زاوية لغوية، بوصفـي متخصّصًا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
لقد حرّضتني التجارب التي عشتها مع الأجانب، وما تتيحه المقارنة بين اللغات والثقافات، على التفصيل في واقعة المقهى.
بين الحتمية اللغوية والنسبية اللغوية.
تسارعت الرؤى حول العلاقة بين اللغة والفكر: هل نحن نتحدّث ثم نفكّر، أم نفكّر ثم نتحدّث؟أرى أنّ الفكر، في جوهره، ليس إلا رموزًا لغوية؛ فلا تفكير خارج اللغة.
ومن هنا أؤيّد رأي سابير القائل بأنّ اللغة لا تعبّر عن الفكر فحسب، بل تُشكّله.
لم أستدعِ اللغة دفاعًا عن الأدب، ولا هجومًا على العلم، بل باعتبارها أرضية مشتركة لا يمكن لأيّ معرفة إنسانية أن تُلغِيها.
ففي الدول المتقدّمة لا يُقال: علمي/أدبي بنبرة تفاضل أخلاقي أو ذهني، لأنّ الوعي هناك تجاوز هذا التقسيم المدرسي الساذج، وأدرك أنّ التقدّم ثمرة تقاطع لا صراع.
ولهذا أشرتُ إلى اللغة، لا بوصفها أداة إقناع، بل بوصفها شرطًا للتفكير ذاته: فالعالِم حين يضع فرضيّة، والمهندس حين يصمّم صاروخًا، كلاهما يشتغل داخل نسق رمزي تخييلي قبل أن يتحوّل إلى معادلة أو معدن.
وهذا ليس رأيًا حديثًا، بل يعود إلى أقدم جدل فلسفي: الاختلاف بين أفلاطون وأرسطو.
قد يبدو لمن لم يتعمّق في الأمر أنّ الخلاف كان حول الشعر فقط، لكنّه في جوهره كان حول مكانة المعرفة الأدبية والفنية داخل سلّم المعرفة الإنسانية.
فأفلاطون رأى أنّ الصانع (النجّار) ينجز السرير اعتمادًا على فكرة عقلية، بينما الفنان أو الشاعر لا يفعل سوى محاكاة ما صُنع؛ أي إنّه يبتعد درجتين عن الحقيقة، ولذلك وضع الفنّ والأدب في مراتب متأخّرة من مراتب المعرفة.
أمّا أرسطو — وكان أذكى من أن يكرّر هرم أستاذه — فقد قلب الصورة؛ إذ رأى أنّ النجّار نفسه فنان قبل أن يكون صانعًا: تخيّل، ورسم ذهنيًا، وتغنّى بالفكرة في داخله، ثم خطّط، ثم أنجز.
أي إنّ اللغة التخييليّة والقدرة الرمزية سبقت الفعل التقني.
ومن هنا، فالعلم لا يولد علمًا خالصًا، بل يولد فكرة، والفكرة لا تُولد بلا لغة، ولا بلا خيال منضبط.
لهذا أقول: الصواريخ لا تُصنع بالفيزياء وحدها، بل بتضافر الرياضيات، واللغة، والتخييل، والتخطيط، والتواصل، والرؤية.
ومن يستخفّ بالأدب لا يُنقِص من الأدب شيئًا، بل يقتطع من قدرته على فهم العلم نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك