نظامان في دولة واحدة هل يوفر حلّا؟عرف الناس الثنائية في أرض السودان منذ أن حلّت العناصر العربية وبدأت الاختلاط بالسكان الأفارقة من العالصر الزنجية والحامية السابقة لمجيئهم، نشأت أجيال لاحقة مزدوجة الهوية، تبلورت هويتها في القرون اللاحقة بالانتماء إلى العرب.
وهو ما سارت عليه الأوضاع حتى اليوم، فنحن أولاد العرب مقابل هم غير أولاد العرب، العبيد بلغة صريحة.
في الجانب الآخر، نحن (غير العرب) في مقابل هم أولاد العرب، سمهم الجلابة أحياناً أو العرباويين.
وتجلى ذلك الانقسام في وقائع حركة اللواء الأبيض وثورة 1924م، وتعليق المندوب السامي البريطاني في مصر على طلب الحاكم العام في السودان بخصوص موضوع الجنسية السودانية، فكان الرد بأن ذلك الموضوع محل شكوك ومثير للغط، فأغفل الأمر حتى صدور أول قانون للجنسية السودانية عقب الاستقلال في العام 1957م.
سبق ذلك مذكرة كبار ملاك الرقيق (أولاد العرب) مطالبين الحاكم العام بتأجيل أو إلغاء مرسومه القاضي بتحرير العبيد، ساردين عدة أسباب لذلك الطلب.
ثمّ أن أول ظهور لملامح الدولة السودانية كان على يدي سلطة استعمارية ثنائية هم الأتراك والمصريون، تلاها الحكم الثنائي الإنجليزي المصري أيضاً.
فلا غرو أن ساد في تاريخ السودان نمط الثنائية، وحتى في اتفاقية أديس أبابا 1972م كان هناك ما يشبه النظامين للحكم في الجنوب والشمال.
وفي نيفاشا 2005م تم تكريس نموذج نظامين في بلد واحد، بل حتى في العاصمة الخرطوم تم إقرار هذا النموذج باعتبار المنطقة ما بين السكة الحديد وشارع النيل منطقة محايدة دينيا فيما تسود بقية مناطق الخرطوم ومدنها قوانين الشريعة الإسلامية التي كان يتبناها تنظيم الحركة الإسلامية/ المؤتمر الوطني المهيمن على الحكم انقلاباً.
في حرب 15 أبريل المستمرة للعام الرابع تواليا اختلطت بعض الأوراق بينما ظلت الممارسات تعود إلى جذرها الثنائي، فنجد انحياز بعض عناصر في حركات جبريل ومناوي وتمبور ومالك عقار؛ وهي حركات قوامها الأساس عناصر غير عربية إلى جانب الجيش الذي تهيمن على قيادته العناصر العربية من الشمال النيلي بشكل واضح.
فيما انضمت عناصر من ذات الحركات إلى جانب تحالف تأسيس الذي يضم قوات الدعم السريع بقوام عناصرها الرئيس من العرب قي إقليمي دارفور وكردفان وبعض أنحاء النيل الأزرق.
ولعل ممارسة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتصفيات العنيفة التي طالت أفراداً ومجموعات كانت بدوافع عرقية من أثر الانقسام السائد.
ففي حوادث الجنينة والفاشر نلمح تلك الدوافع بوضوح باعتبار المستهدفين فيها من جانب قوات الدعم السريع الذين لم يخفوا تلك الدوافع عبر إطلاق عبارة يا عبيد، وهو ذات ما نلمحه في أحداث الكنابي في ولاية الجزيرة على يدي مليشيات كيكل بوصف المواطنين المستهدفين بالعبيد.
ومليشيات كيكل مزدوجة الولاء فقد انحازت أولا لصالح جيش حميدتي، ثم لاحقاً إلى جانب جيش البرهان.
وفي ولاية سنار على خلفية استعادة السيطرة عليها بوساطة مليشيات البراؤون والتغراي والعمل الخاص تواترت إفادات عن تصفيات جسدية لعناصر على أسس الهوية العرقية للمنتمين لقبائل عرب غرب السودان خاصة الرزيقات.
إنّ العالم اليوم يشهد تجارب وجود نظامين في الدولة الواحدة، مثل ليبيا واليمن، ومن قبل الصومال التي بدأت جمهورية أرض الصومال فيها تحظى باعترافات دولية متتالية، بينما سادت لعقود سابقة أنظمة مختلفة في البلد الواحد مثل ألمانيا الشرقية والغربية، وما يزال نموذج كوريا قائماً حتى الآن.
مع اختلاف طبعاً بحدوث اعتراف دولي بكلا النظامين سواء في ألمانيا أو كوريا، ولكن تبقى مسألة الاعتراف رهنا بتحولات ومصالح العالم.
عليه يمكن للسودانيين النظر مباشرة في توفير حل لأزمتهم ومأساتهم الوجودية الراهنة عبر إقرار نظامين للحكم.
نظام البرهان ورافعته الكيزان وقوانينهم وتسلطهم وفسادهم وشموليتهم واستبدادهم وانشعالاتهم الصغيرة بغطاء رأس طالبات الجامعة، وانهماكهم في حيازة عطاءات (إعادة الإعمار الدولارية) أو الاستثمارات في القطع الناصية قبالة الميناء البري بالخرطوم، بجانب ممارساتهم المعهودة في الترويع والإقصاء والتخويف والتخوين، كل ذلك باعتبارهم محررين لأولاد العرب من هجوم (الغرّابة) المحتلين، ولا أدري مصير المشتركة في هذه الحالة يمكن تعويضهم بحكم معسكر العفاض! ! بينما في الشق الآخر نظام تأسيس الذي يقول نظرياً ببناء دولة المواطنة المتساوية ونظام حكم ديمقراطي، بالطبع العبرة في الممارسة وليس النصوص.
عسى يكون في ذلك لجم لآلة القتل والترويع وتخفيف لواقع مقيت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك