«وأقول لها إنني أحاول أن أسرد قصتي، ولكنني لا أستطيع، ولا أملك الجرأة، لأنها تؤلمني.
ولذلك أُجمِّل كل شيء وأصف الأمور، لا كما جرت بالفعل، بل كما كنت أود أن تجري» الروائية المجرية آغوتا كريستوف.
حين انتقلتُ للإقامة في درنة منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان عديد الأصدقاء يحدثونني عن عوالم هذه الحاضرة الكثيفة الشغف بالحياة، خصوصاً من عاشوا عقدها الذهبي في الستينيات، وكنت دائما أتحسر أن درنة الولوعة بالشعر والموسيقى لم يخرج روائي أو كاتب قصة من بيئتها الخصبة لعوالم السرد والحكايات، ولم تُكتب فيها ومنها رواية، وحتى القصائد التي كُتبت فيها كانت تنظر إليها من الخارج كتضاريس وهبتها الطبيعة دون استبطان الجمال الإنساني النابض في كل التفاصيل، وحتى القصص القصيرة الخجولة التي كتبت فيها لم تستبطن هذه الروح أو تنشئ علاقة حميمة بزهو المكان ومحتواه الإنساني.
حين قرأت كتاب «سيرة عالية» للكاتبة محبوبة خليّفة، قصص قصيرة، قابلت ذاك الشوق المدفون إلى من يستنطق روح هذه المدينة ويغوص فيها، خصوصا عبر بطلاتها من النساء الدرناويات بما يشتهرن به من خصوصية في ليبيا كلها، ولأسباب يمكن تلمسها من خلال غوص هذه القصص في عالم الأنثى في مدينة أنثى بكل معنى الكلمة، حيث الحضارة أنثوية، والحداثة جوهرها أنثوي، وحيث المكان الذي لا يؤنث لا يُعوَّل عليه كما أخبرنا ابن عربي.
كل من يقرأ الكتاب سيراوده سؤال تلقائي: هل ما يُكتب سيرة أو حكايات خيالية أو تلك الخلطة السحرية التي تستهوينا بين ما حدث في الواقع وما كان يحدث في الأحلام، أو كما جرت الأحداث أم كما رغبنا أن تجري.
تكتب في هامش لقصة (فحمة التاقزة) ملاحظتها «هذه الحكاية هي نتيجة صور تتداعى أمام ذاكرة مليئة بحب تلك المدينة التي تمتلك قلبي، لم أقصد بها شخصية بعينها، ولا نسجتُ هذه الحكاية وعنيتُ بها أحدًا بعينه.
إنها رؤيتي لما عشته وعايشته، وأحكيه بقلمي، وببعض خيال لا بد منه؛ لتكتمل شروط القَصِّ».
وهذه الملاحظة الاستدراكية ستشكل المدخل المريح لكل حكايات الكتاب، فهي تكتب بعاطفة جياشة عن مدينة تحبها وعاشت معظم سني عمرها بعيدة عنها دون أن تنسى ذلك المكان الآسر الذي كان يحيط بطفولتها وصباها ويغمر ذاكرتها بالبهجة عبر كل تفاصيله، وحين نقرأ أدباً أو نتواشج مع أي نوع من الفن سيصبح السؤال السالف ذكره أو البحث عن شخصية المؤلفة أو المؤلفة في الأحداث سؤالا نكديا يجعل من القراءة فعل تلصص ومساءلة.
لأن الكاتبة وكما ذكرت في ملاحظتها تطلق العنان لقلمها ليغرف من مخزون ذاكرتها، ومن خيالها في الوقت نفسه، حيث الخيال خميرة هذا السرد الذي تنفش به القصص القصيرة لتنزع نحو الفضاء الروائي دون أن تتعمد.
ولأن الأمكنة تأفل، وما فيها من علاقات تتلاشى، فلا ملاذ لها من النسيان سوى فتنة الفن وعناد الحنين الذي يشيد متحفه الخاص لعرض مقتنيات الروح ولوحاتها المرسومة على جدار عبر صور محسوسة في نثرها يمكن أن نلمسها ونسمع نبضها ونشم روائحها.
تُسرب الكاتبة أحياناً أحداثاً أو وقائع تجعلنا نشعر أثناءها أنها تؤرخ لشخصيات وأحداث وقعت، حين تكتب عن القابلة التي استقبلت جيلاً كاملاً في المدينة يتنفس أكسجين درنة للمرة الأولى بين يديها، أو معهد التمريض بطرابلس، أو الممرضة التي تزوجها الحاكم، إلى آخر تلك الدسائس الفنية التي توهمنا بالتاريخ ثم فجأة تحلق بتلك الوقائع فيما يتطلبه كما ذكرت شروط القص التي هي شروط الفن برمته، تؤثث مكان السرد بكل تفاصيل المدينة التي تعطيها خصوصيتها، الملابس، مواضيع الحكاية، الأطعمة، روائح الزهر والنعناع وقعدة الشاهي الحميمة، والبخور، انهيال الأحرمة على أجساد النساء، والساقية والقناطر، والجرود ناصعة البياض، وأشجار الرمان والتوت ودوالي العنب وعرائش الياسمين.
وتطلق العنان لأرواح الشخصيات كي تتقصى بجمالها الداخلي جمال ذلك المكان وإكسسواره الذي يحيل كل شيء فيه إلى نغم مزمار ظل يعزف خلف كل جملة تكتبها وكأنه الخلفية الموسيقية لهذه المشاهد المتدفقة كشريط سينمائي، والتي تتجسد أمامنا عبر زخارف المكان التي انعكست على زخارف النثر الهادئ والهامس كطبيعة كاتبته.
يبدأ الكتاب بما يوحي أننا بصدد رواية عبر رصد حياة ثلاثة أجيال: يامنة وعالية وابنتها يامنة، وحيث تدور الأحداث بما يشبه دوران غناوة العلم، حيث عالية هي تلك القفلة في الوسط التي يكتمل بها المعنى، فحين تَعِد الطفلة التبوية بأن تحضر لها عروسة وتنتهي الحكاية عند أنها لم تستطع أن تفي بوعدها لها ننسى تلك الواقعة التي أصبحت في ذمة تاريخ الحكاية، لكن فجأة نكتشف أن الروح الهائمة في المكان لم تنسَ وتعود لنا بقية الحكاية في قصة التكرة ـ الدنقة (1).
وهذه الدوائر أو الالتفاتات شبيهة بخيط النول غير المرئي الذي يختفي ويظهر في نسيج السرد الحافل بالألوان والإيقاعات.
ولأن الحنين دائرة يستمر عبر الكتاب كله في رسم دوائره مثل تلك الحلقات المنبعثة عن حجر يلقى في بركة الذاكرة لا تتوقف إلا عند الضفاف، وعلى ضفاف هذه القصص يقع كرسي الكاتبة وهي تتأمل دفق الذكريات بما يشبه جلستها على ضفة نهر التيفري الذي تُحمِّله صورها ورسائلها إلى الضفة الأخرى التي تتدفق منها صور وحكايات الطفولة.
الرواية الحديثة تتشكل من ثيمات إنسانية تتحرك داخلها، وتَغيُّر الشخصيات أو خروجها من مسرح الحدث لا يقطع خيط السرد الروائي، وهي إذ تكتب ثمانية فصول عن عالية التي تتمركز على غلاف الكتاب، فنحن بصدد عمل روائي، وحين يتوقف ترقيم الفصول، وتنتقل إلى شخصيات أخرى فسنجد أن روحَيّ يامنة وعالية ما زالتا حاضرتين عبر الأسماء التي حلت محلها، لأن ما يربط كل القصص هي الثيمة أو الثيمات الإنسانية التي يلاحقها السرد وهو يمارس رفقة القارئ متعة التذكر، وأكثر الثيمات إلحاحاً في هذه الحكايات، بقدر ما فيهما من جناس لغوي، فيهما تجانس عضوي يعكس مزاج هذه المدينة، وهما الحنين والحنان، وكل قادم لدرنة من خارجها سيكتشف قدر الحنان فيها ما يجعلها ملاذا آمنا للدراويش والمشردين الذين أصبحوا من معالمها، وحتى الشخصيات النسائية الصارمة أو (الواعرة) كما نقول، لا بد أن تكشف الكاتبة عن قدر هائل من الحنان خلف هذه الصرامة والانضباط.
الكاتبة نفسها تحن إلى مكان طفولتها بلغة حانية مترفقة قادرة بهذه الطاقة من الحب على مزج كل النقائض في مركب واحد، ودائما الجمال هو انزيمها الخاص الكفيل بمزج كل النقائض، والأنوثة هي البوتقة التي تغلي فيها كل العلاقات وتنضج.
وإذا ما عنَّ لنا أن نصف أسلوب الكاتبة ونثرها الناعم سنصفه على غير العادة بأسلوب الحنو، وهو أسلوب سيشمل كل ما تلمسه من ذكريات بهدهدة تشبه ترجيب أم لطفلتها.
وبحذاقة تلتقط ابنة الكاتبة (عايدة) في مقدمتها هذه الخاصية، فتقول «أمي تجمع بين الصلابة والرقة بخليط لا يفسر فهي صلبة كالصخر ورقتها كالريشة».
وهكذا كانت معظم شخصياتها اللائي يتبادلن أدوار الصرامة والحنان، الصلابة والرقة.
تركت عالية مسرح الأحداث لكنها ستظل حاضرة عبر شخصيات عديدة تضيء حياة عالية من زوايا أخرى، وما يميز هذه الشخصيات أنها ترى كل شيء في المدنية جميلاً، لا أحكام مسبقة ولا تنمر ولا غطرسة طبقية، فالجمال كامن في الهامش؛ في الباطن حي المهاجرين السمر الذين لاذوا بحنان المدينة رفقة طقوسهم وفنونهم، وكامن في ضواحيها، وفي غناوة العلم التي جعلت من بنت البلاد عالية تترك كل شيء خلفها وتتبع الغناوة إلى موطنها البدوي، وحتى ثمرة القعمول «النبتة الطيبة رغم أشواكها» تتحول في السرد إلى فاكهة موسمية، فالاحتفاء بالجمال في مكانه المنظور أو غير المنظور كان منبع هذا الكتاب الذي علاقاته المتشابكة تعكس طبيعة مجتمع مشرع للحياة، لا يصنف ولا يضع حدوداً بين مكوناته التي تشكل فسيفساء فنية وصفتها الكاتبة بدقة وبلغة تضوع منها متعة التذكر والشغف بجماليات التجاور.
وحتى حين انتقل المكان إلى مدن بعيدة، روما ولندن وبغداد وغيرها، كانت تتأمل تفاصيل تلك الأمكنة بعيون درناوية، وكأنها تترجم تلك المشاهد الأعجمية إلى لغة مكانها الطفولي ومجازاته، والتنزه في تلك المدن ببدو كحالة تسوق للجمال الذي تلاحقه في كل مشهد وكل زاوية، فكل ما ينعش مكان طفولتها الأثير تتوقف عنده أينما رحلت.
المتعة والمعرفة شرطان أخلاقيان لأي عمل فني، وفي مقدمتها المُحِبة تكتب الروائية رزان المغربي عن المتعة كشرط جمالي أولي «من الجميل أن تجد نفسك واقعاً في ورطة جميلة، وأنا أقرأ هذه المجموعة القصصية للمرة الثانية، والمتعة شرط العقد بين الكاتب والقارئ».
وقد تحقق هذا الشرط وأنا أطالع الكتاب، واستمتعت بقراءة هذه القصص/ الرواية، أو الرواية في قصص، وأشبعت عطشي القديم وأنا أرى درنة التي تملكت روحي تنبض أمامي عبر نثر يشبه شوارعها وزناقيها بعين منتبهة وأذن تنصت حتى للصمت، وهذا ما فعلته محبوبة في كتابها الذي يشبهها تماما، سيرة عالية سيرة مدينة أنثى، وذاكرتها القوية في تذكر كل التفاصيل الصغيرة مردها إلى كون من يبتعد عن مكانه الأول وحبه الأول يشحذ الحنين المستمر ذاكرته ويحميها من النسيان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك