لا أعرف بالضبط متى بدأتُ الاهتمام بالكتب المستعملة وخاصة الطبعات القديمة منها.
كنتُ – مستلهماً البرتو مانغويل- أؤمن أن الكتاب ليس مجرد محتوى، وأن الطبعات المختلفة للكتاب تعني أنه قد عاش حيوات مختلفة بأجساد مختلفة، وأن تصميم الغلاف ونوعية الورق المستعمل وفونط الحرف وحجمه وطريقة التنضيد (لاأعرف إن كانت هذه الكلمة لاتزال تستعمل حالياً في صناعة الكتاب) وكيفية قص الورق، كلها عناصر تمنح الكتاب أحاسيس مختلفة، وأكاد أقول محتوىً مختلفاً.
لم أعترض ولن، على الكتاب الالكتروني (أكتب الآن مستخدماً الآيباد، والذي يضم مئات الكتب الالكترونية، التي أحتفظ وأقرأ، بصيغها المختلفة، كما أن عملي يقتضي مني أن أقرأ المقالات والأبحاث مستخدماً اللاب توب أو الآيباد)، لكنني أعترف- لا أزال أفضل القراءة من الكتاب الورقي، أو الأصح أن أقول، لا أزال أفضل (اقتناء) الكتاب الورقي.
أقصد أن كتباً اقتنيتها بطبعات متعددة، لا يعني أنني أعدت قراءتها في تلك الطبعات، قد اتصفحها، أو أقرأ فصولاً، وأحياناً أقرأها كاملة، لكن غايتي من هذا الاقتناء ليس إعادة القراءة، وإنما الحصول على كتاب جديد وليس محتوى جديداً.
وكي لا أبدو غريباً أو متبطراً، فأنا لا أقتني أية طبعة، ولا بالضرورة أقتني أكثر من طبعة واحدة لكثير من الكتب التي قرأتها أو أقرؤها.
أنا اختار.
ويمكن القول، أنني اختار بعناية.
ومع الزمن نما لدي حس (وحدس) بما أختار.
أفكر بالطبعة النادرة لرواية نجيب محفوظ «فضيحة في القاهرة» الصادرة ضمن سلسلة الكتاب الذهبي- نادي القصة عام ١٩٥٣ وكيف تمنح شعوراً مختلفاً عن الطبعات المتتالية التي أصدرتها مكتبة مصر تحت عنوان «القاهرة الجديدة» أو الطبعات الأحدث لنفس الرواية عن دار الشروق، مثلاً.
أو قراءة «مع المتنبي» لطه حسين في طبعته الصادرة عن ١٩٣٦ عن لجنة التأليف والترجمة والنشر في مصر بجزءين وغلاف بديع، يرسم اسم الكتاب والمؤلف بالخط الفارسي البالغ الجمال.
أو اقتناء رسالة الغفران للمعري بتحقيق بنت الشاطئ الصادر عن دار المعارف بمصر ١٩٥٠ والمليئ بالشروحات والحواشي الغنية كتاب ٨٤ شارع تشارينغ كروس لهلين هانف هو عن هذا الشغف بالكتب المستعملة أو الطبعات الخاصة.
رغم أن مؤلفة الكتاب وناشره لا يقدمانه على أنه رواية (وهو ليس كذلك كجنس أدبي) لكن من الصعب انتزاع فكرة أن ماتقرأه هو رواية، ورواية شديدة الامتاع.
الكتاب عبارة عن مراسلات بين هلين هانف الكاتبة الأمريكية المتواضعة الدخل والمقيمة في شرق منهاتن في نيويورك، وفرانك دويل العامل في متجر ماركس وشركائه للكتب المستعملة في وسط لندن في شارع تشارينغ كروس (والذي بالمناسبة لايزال يضم مجموعة من أفضل مكتبات المستعمل في العاصمة البريطانية) والخبير في هذا المجال سواء في سعة اطلاعه ومعرفته بعالم الكتب، أو في قدرته على الوصول إلى بعض المجموعات من الكتب النادرة من المقتنيات الخاصة أو العامة بُعيد الحرب العالمية الثانية وماشهدته بريطانيا وأوربا عموماً من تقشف اقتصادي كبير، في مقابل الوفرة النسبية الأمريكية.
المراسلات التي ابتدأت في العام ١٩٤٩ تظهر بوضوح مدى هذا التقشف والنقص الحاد في أولويات الحياة اليومية في لندن في محاولة لإظهار امتنانها لعثور فرانك على بعض الكتب التي طلبتها، ودهشتها لمعرفة أن كل عائلة بريطانية تحصل على حصة اسبوعية من اللحم بمقدار اونصتين (نصف كيلوغرام) وبيضة واحدة لكل فرد شهرياً، ترسل هلين هدية بمناسبة عيد الميلاد في ذلك العام (١٩٤٩) ستة كيلوغرامات من اللحم المقدد لتوزيعها على عمال المتجر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك