ليس السؤال عمّا إذا كان الشعر ما يزال ممكنا في عالمٍ استنفد لغاته، فذلك سؤالٌ يبدو اليوم أقرب إلى التسلية الفكرية، بل السؤال الأعمق هو: هل ما يزال النص الشعري الحديث قادرا على أن يبرّر وجوده وسط هذا الضجيج المتراكم من الخطابات، حيث تتزاحم الأصوات، وتفقد الكلمات وزنها من كثرة التداول؟ فالشعر، منذ أن تخلّى عن أوزانه الصارمة، وأقنع نفسه بأن الحرية ليست فوضى، خرج من منطقة الأمان التي كانت تمنحه إياها القوالب الموروثة، ودخل اختبارا قاسيا لا هوادة فيه: أن يكون نصا بلا ضمانات جاهزة، وبلا سندٍ تقليدي، وأن يقف عاريا تقريبا أمام قارئ لا يمنحه ثقة مسبقة ولا يعفيه من الشك.
هنا، لم يعد الشعر محميا باسمه، ولا محصّنا بتاريخه، بل صار مطالبا في كل مرة بأن يثبت أحقيته في أن يُقرأ.
من هذا المنعطف بالذات، يصبح السؤال عن «المهم» في النص الشعري الحديث سؤالا أخلاقيا بقدر ما هو جمالي، سؤالا عن المسؤولية تجاه اللغة، وتجاه القارئ، وتجاه التجربة الإنسانية نفسها.
المهم أن يكون النص ضرورة، لا زينة لغوية ولا استعراض مهارة.
فالشعر الحديث لا يُقاس بمدى حداثة مفرداته، أو غرابة صوره، ولا بعدد المفاجآت التي يكدّسها في سطوره، بل بمدى حاجته الداخلية العميقة إلى أن يُكتب أصلا.
النص الذي يمكن الاستغناء عنه، أو الذي يترك القارئ غير آبه بوجوده أو غيابه، هو نص أخفق في تبرير نفسه، قبل أن يطالب بأي تأويل.
ليست الضرورة هنا موضوعا كبيرا يُفرض من الخارج، أو قضية مُعلنة، بل صدق داخلي يكاد يكون أخلاقيا، يجعل كل سطر يبدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن، لا بديل له ولا فائض فيه.
في هذا النوع من الكتابة، لا تأتي الجملة نتيجة تمرين أسلوبي، أو محاكاة ذكية لتيار رائج، بل ثمرة ضغط داخلي، كأن اللغة نفسها أُجبرت على أن تقول ما تقوله.
عندها فقط يكتسب النص حقه في الوجود، لا بوصفه إضافة كمية، بل بوصفه حضورا لا يمكن تعويضه.
ثم تأتي اللغة، لا بوصفها مادة خاما تُصاغ كيفما اتّفق، بل بوصفها موقفا فكريا وجماليا في آنٍ واحد.
ففي الشعر الحديث، لم تعد اللغة أداة شفافة تنقل المعنى من ذهن الشاعر إلى وعي القارئ، بل أصبحت هي المعنى ذاته، بكل ما يعتريها من ارتباك، وانكسارات، وتردّد، وبما تحمله من أثر التجربة الإنسانية غير المكتملة.
من هذا المنظور، المهم في النص الشعري، أن يعيد اكتشاف اللغة، لا أن يستعرضها أو يكدّس براعتها الظاهرية، أن يجعل الكلمات تبدو كما لو أنّها تُستعمل للمرة الأولى، لا عبر غموضٍ مُصطنع يختبئ خلفه الفراغ، بل عبر وضعها في سياق حيّ يدفعها إلى تجاوز عاداتها اليومية واستخداماتها المستهلكة.
الشعر هنا لا يضيف كلمات جديدة إلى القاموس، ولا يدّعي اختراع لغة أخرى، بل يغيّر علاقتنا بالكلمات القديمة، ويجبرنا على الإصغاء إليها من جديد، كأننا نسمعها وقد استعادت ثقلها وقلقها ومعناها الأول.
المهم أيضا أن يحتفظ النص بتوتّره الداخلي، ذلك التوتّر الذي يمنعه من الاستقرار السريع في معنى واحد مريح.
فالشعر الذي يهرع إلى تفسير نفسه، أو يشرح مقاصده أكثر مما ينبغي، يفرّط بجوهره ويستبدل القلق الخلّاق بالطمأنينة الكسولة.
النص الشعري الحديث لا يُطلب منه أن يكون غامضا لذاته، فالغموض قد يكون حيلة سهلة لإخفاء الهشاشة، بل أن يكون مفتوحا على احتمالات متعددة، قادرا على تحمّل قراءات متباينة دون أن يتداعى.
الفارق هنا جوهري: الغموض انسحاب، أمّا الانفتاح فهو شجاعة فكرية وجمالية.
النص الجيد لا يغلق بابه على تفسير نهائي، ولا يبتز القارئ بإيحاءات مبهمة، أو وعود مؤجّلة بالمعنى، بل يدعوه إلى مشاركة حقيقية في إنتاجه.
في هذه العلاقة، لا يعود القارئ متلقيا سلبيا يبحث عن رسالة جاهزة، بل يصبح شريكا فاعلا يُمتحن ذكاؤه وحساسيته، ويُطلب منه أن يغامر، مثل النص نفسه، في منطقة لا ضمانات فيها سوى متعة الاكتشاف.
ومن المهم كذلك أن يكون الصوت الشعري واعيا بموقعه في الزمن، مدركا أنّه لا يتكلّم من نقطة بريئة خارج التاريخ، بل من داخله، ومن بين طبقاته المتراكمة.
فالشعر الحديث لا يعيش في فراغ، ولا يملك ترف البراءة الأولى، لأنّه يُكتب بعد كل ما كُتب، وبعد كل ما انهار من أوهام كبرى وسرديات مكتملة.
النص الذي يتصرّف كأن شيئا لم يحدث، كأن اللغة لم تُستنزف بفعل الاستعمال المفرط، وكأن التاريخ لم يترك ندوبه العميقة على الوعي الفردي والجمعي، هو نص يتغافل عن شرطه الأساسي ويخون زمنه.
غير أنّ هذا الوعي لا يعني أن يتحوّل الشعر إلى وثيقة سياسية، أو بيان أيديولوجي مباشر، فذلك شكل آخر من التبسيط.
المطلوب، على العكس، أن يحمل النص أثر العالم في نسيجه الخفي، أن تظهر فيه تشقّقات الواقع وتوتراته، حتى وهو ينشغل بأكثر التفاصيل حميمية وشخصية.
عندها فقط يصبح الصوت الشعري شاهدا لا معلّقا، وحاضرا في زمنه دون أن يُختزل فيه.
يتجلّى الاقتصاد في النص الشعري الحديث، لا بوصفه ميلا إلى القِصر أو الاختزال السريع، بل بوصفه انضباطا دقيقا في اختيار الكلمات وبناء الجمل.
فكل كلمة ينبغي أن تكون في مكانها، لا لأنّها جميلة أو لامعة في ذاتها، بل لأنّ غيابها سيُحدث خللا في توازن النص.
الشعر الذي يُفرط في الزينة اللغوية، أو يتكئ على البلاغة المعلنة، كثيرا ما يخفي فراغا فكريا أو عاطفيا، لا تُنقذه كثافة الصور ولا فخامة التعبير.
النص القوي هو ذلك الذي يمكن حذف أي سطر منه فينهار البناء كلّه، لأنّ كل جزء فيه مشدود إلى الآخر بعلاقة ضرورة لا ترفا.
هذا الإحساس بالتماسك الداخلي، بأنّ النص كائن حيّ لا يحتمل البتر أو الحشو، هو ما يميّز الكتابة الجادّة عن التمارين الأسلوبية التي تكتفي بمحاكاة شكل الشعر دون أن تبلغ منطقه الداخلي أو صدقه العميق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك