استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر بتاريخ التاسع من فبراير تحت عنوان التعليم غير النظامي أداة ناعمة لصناعة النفوذ الدولي، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس هل نحتاج إلى (التعليم غير النظامي)، بل كيف يمكن لدولة قطر أن تحوّل هذا المفهوم إلى منظومة وطنية استراتيجية تخدم الدولة، وتحقق رؤيتها، وتعزز حضورها العالمي، وتؤسس نموذجًا يُحتذى به في المنطقة.
إن دولة قطر تمتلك جميع مقومات التحول إلى مركز إقليمي وعالمي للتعليم غير النظامي، ليس فقط بسبب ما تملكه من بنية تحتية تعليمية قوية، بل لأنها تمتلك أيضًا رؤية وطنية واضحة تتمثل في رؤية قطر الوطنية 2030، والتي ترتكز على أربعة محاور رئيسية: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية.
وجميع هذه المحاور لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع دون منظومة تدريب وطنية مرنة وسريعة تستجيب للتغيرات العالمية المتسارعة، وتعيد تشكيل المهارات والوعي المجتمعي بشكل مستمر.
إن التعليم الرسمي وحده لا يستطيع مواكبة تسارع احتياجات سوق العمل، ولا يملك المرونة الكافية لمواجهة التحولات المتلاحقة في التكنولوجيا والاقتصاد والهوية الثقافية.
وهنا يأتي التعليم غير النظامي ليملأ هذه الفجوة، ليس بوصفه بديلًا، بل بوصفه الذراع الاستراتيجي السريع للدولة لبناء الإنسان وصناعة الجاهزية الوطنية.
ومن أجل تحويل هذا المفهوم إلى واقع في قطر، فإن الخطوة الأولى تبدأ من تبني إطار وطني رسمي يسمى على سبيل المثال منظومة قطر للتعليم غير النظامي، بحيث يتم تنظيم التدريب، وتوحيد المسارات، وربط الاعتماد بجودة المحتوى، وربط المخرجات بحاجات الدولة.
هذه المنظومة يجب أن تكون قائمة على الشراكة بين الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وأن تكون مرتبطة مباشرة بمؤشرات أداء وطنية قابلة للقياس.
(وزارة التربية) حيث تبدأ الحوكمة.
وعند الحديث عن الجهات التي يمكن أن تقود هذا التحول، فإن وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تمثل حجر الأساس بوصفها الجهة التنظيمية العليا، حيث يمكن أن تتولى وضع المعايير، وتنظيم الاعتمادات، وإطلاق إطار رسمي للتعليم غير النظامي، وتحديد المسارات التي تخدم التنمية البشرية.
كما يمكن للوزارة أن تنسق مع الجهات الأخرى لإنشاء نظام وطني للاعتماد والتصنيف، بحيث لا يصبح التدريب مجرد سوق تجاري، بل يصبح قطاعًا تنمويًا منظمًا.
(وزارة العمل) التدريب الذي يساوي إنتاجية.
أما وزارة العمل فيمكن أن تكون الذراع التنفيذي في ربط التعليم غير النظامي بسوق العمل، عبر تطوير برامج تدريب مرتبطة بالوظائف المستقبلية، وإعادة تأهيل الباحثين عن عمل، وتطوير المهارات المهنية للموظفين في القطاعين العام والخاص.
ويمكن للوزارة أيضًا أن تستثمر في برامج إعادة بناء المهارات للوظائف المتغيرة نتيجة التحول الرقمي، بحيث يصبح التعليم غير النظامي أداة حقيقية لخفض البطالة المقنعة ورفع الإنتاجية الوطنية.
(وزارة التنمية) الاستثمار في الإنسان.
وفي السياق ذاته، فإن وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة يمكن أن تلعب دورًا جوهريًا في تحويل التعليم غير النظامي إلى أداة استقرار اجتماعي، عبر إطلاق برامج تدريبية تعزز الوعي الأسري، والمهارات التربوية، والتمكين الاقتصادي للمرأة، والتأهيل المجتمعي للشباب، بما يخدم التنمية الاجتماعية ويعزز التماسك الوطني.
(الجامعات) حين يتجاوز الدور القاعة الدراسية.
أما الجامعات القطرية وعلى رأسها جامعة قطر، فإن دورها يجب أن يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي التقليدي، لتصبح الجامعات مصانع معرفة وطنية تقدم برامج تعليم مستمر قصيرة ومعتمدة، وتفتح المجال لبرامج مهنية وشهادات مصغرة تخدم الموظفين والخريجين والقيادات.
ويمكن لمراكز التعليم المستمر داخل الجامعات أن تتحول إلى شريك استراتيجي في بناء منظومة وطنية للتعليم غير النظامي، بحيث تتكامل الجامعة مع الدولة في بناء القدرات.
(مؤسسة قطر) منصة المعرفة العالمية.
كما أن مؤسسة قطر، بما تمتلكه من منظومة تعليمية وبحثية عالمية، قادرة على أن تكون منصة دولية لتطوير نموذج قطري عالمي في التعليم غير النظامي، عبر برامج الابتكار، وتطوير القيادات، وربط التدريب بالبحث العلمي، وتحويل المعرفة إلى أثر مجتمعي واقتصادي.
(القطاع الخاص) الشريك الذي لا غنى عنه.
ولا يمكن تجاهل الدور الحيوي للقطاع الخاص، إذ إن نجاح التعليم غير النظامي عالميًا مرتبط دائمًا بالشراكة مع الشركات والمؤسسات الكبرى، لأن القطاع الخاص هو الأكثر قدرة على تحديد المهارات المطلوبة، والأكثر احتياجًا للكوادر المؤهلة.
ويمكن للقطاع الخاص في قطر أن يسهم من خلال برامج المسؤولية المجتمعية في تمويل التدريب، ودعم المبادرات التعليمية، وتقديم فرص تدريب ميداني، وخلق مسارات توظيف مرتبطة بالتعليم غير النظامي.
(غرفة التجارة ومعهد الإدارة) دعم المسار الوطني.
ومن هنا فإن الجهات التي يمكن أن تلعب دورًا داعمًا في قطر تشمل غرفة تجارة وصناعة قطر، التي يمكن أن تكون منصة لتحديد احتياجات الشركات من المهارات، وتنسيق التدريب مع مؤسسات التدريب، وتطوير برامج نوعية موجهة لرواد الأعمال.
كما يمكن أن يكون لمعهد الإدارة العامة دور مهم في اعتماد البرامج الحكومية وبناء الكفاءات القيادية والإدارية وفق معايير وطنية موحدة.
(الإعلام) المعركة تبدأ من الوعي.
وفي جانب آخر، فإن الإعلام الوطني يمثل أحد أعمدة نجاح التعليم غير النظامي، لأنه مسؤول عن تغيير الثقافة المجتمعية تجاه التدريب، وتعزيز فكرة أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لصناعة المستقبل.
ويجب أن يكون هناك خطاب إعلامي جديد يرسخ قيمة التعلم مدى الحياة، ويرفع مكانة التدريب في الوعي الوطني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك