أن تكتب فأنت تبدأ من فعل التحديق في الذات، تَبدأ من التأمل العميق في الحياة واقعها، ناسها، مستجداتها، المتسارعات المستمرة فيها، أحلام صغارها وأمنيات كبارها المفاهيم العميقة فيها: الوقت، الحياة الاجتماعية، المتطلبات، التطلعات، الأشواق وتلك الأشواك التي أحيانا قد تكون أجمل هدية! اضافة اعلان.
نعم، فالمفاجأة التي تختبئ في الصندوق البريدي الذي وصل؟ ترى هل مِنْ خَطأ في الطلبية؟ هل أَخطَأ مصنع القطط الذهبية؟ ضمن موضوع الحيوانات والاختلاف والخيال ندخل ممالك لفكر ورؤية وتصور ياسمينة تامير التي وللمرة الأولى تنقل أفكارها وتحمل قصة قصيرة للأطفال رؤيتها العميقة ومنهما للحياة المغاير المشرئب لتقدير الجمال فيها بأشكاله وألوانه وأنواعه المستعد للتعامل مع هذه التنويعات وهذه الاختلافات بمحبة واحترام وتقدير قوامه اللا توقع والفرح بكل شيء؛ لأن لكل وفي كل ما حولنا من الجمال ما يستحق أن يقدر وأن يحتفى به! !
بهذه الرؤية وفي إطار قصصي يتحرك ضمن معايير" عربي 21" في السلم عند الحرف ك بدءًا من" أبجد هوز حطي كلمن" المعايير القرائية التي تناسب الصفين الثالث والرابع الأساسيين بمفرداتها وتراكيبها وجملها التي خطتها يد البروفسورة الدكتورة / هنادا طه لابنتها، ياسمين الياسمينة في قصتها الأولى التي حملت عنوان" شكشوكي" والصادرة عن دار" أصالة" للعام 2025 م، فكرة وتأليف ياسمينة تامير وهنادا طه تامير، رسوم عمر لافي الذي أبدع، في ابتكار عوالم القطط بأشكالها وأنواعها ومشاربها وخصائصها فهذه مملكة من السنوريات فيها الكثير مما يقال في خصائص القطط، وميزاتها التي ترتبط بحضارتنا العربية والإسلامية" بأبي هريرة" صديق القطط الذي تتعلقه القطط حتى أن واحدة منها ظلت تلازمه أينما ذهب فصار يعرف" بأبي هريرة" وهي" المخلوق الرهف الحساس" الذي يشاركك البيت ويحافظ على نظافته - أي البيت - ونظافتها أي القطة.
وقد ارتبطت القطة بالقداسة في بعض الحضارات كمتنبئ ومستشرف وقادر على رؤية ما بعد الأشياء، فكانت القطة في الحضارة الفرعونية رمزًا للخلود، وللحياة الدائمة وحارسة للمجد وراعية للأسرار والأقدار.
وفي" شكشوكي" تحضر القصص من خلال مصنع القطط الذهبية الذي نعثر فيه على القطط السوداء والشقراء و" الشوكولاتية" وعلى أنواع القطط المتعددة فيه التي نعرف منها قطط الشوارع وقطط المزارع والقطط الأميرية، في إشارة إلى سلالة القطط السيامية المدللة، وكذا القطط المرقطة، والمخططة، ونتعرف بعضًا من أسمائها في اللهجات العربية حسب البلدان العربيّة التي تنادى فيها هذه القطط فهي" هِرة" وهي" البسينة" في اللهجة الشامية وهي" قَطوة" في اللهجة الخليجية و" الميثة" والبزونة" في اللهجة العراقية" وكلها كلها حسب ياسمين قطط لطيفة مسلية.
ومن مصنع القطط الذهبية الذي يمكنك أن تطلب فيه واحدة من القطط بالمواصفات التي تريد، وأن ترسلها لمحبي القطط كهدية تغلف في علبة أنيقة ذهبية، تلف بشرائط ذهبية.
لتؤكد المؤلفة أن القطط رفيقة الناس، حبيبة الناس ولتعلمنا وتقدم لنا معلومة جديدة في سجع الكلمات الذي اعتمدته الكاتبة كأسلوب أن القطط تمتاز بأن أسنانها لا تشكو التسوس، إذ حباها الله بخاصية تحول دون إصابتها - أي الأسنان - بالتسوس، وهذه المعلومة لا شك جديدة على قراء القصة الذين تنقلهم المؤلفة إلى عالم البنت الصغيرة التي تعيش في أسرة ينشغل فيها كلا الأبوين بأعباء الحياة التي تثقل كاهليهما وتحول دون إعطاء ابنتهما الوقت والمتابعة والعناية التي تملأ روحها وقلبها ووقتها بالبهجة والسعادة حالها حال معظم الأطفال في عالمنا المعاصر.
حيث الأسرة الصغيرة المؤلفة من الأب والأم وكلاهما يعمل ويتابع شؤون حياته، ويركض لاهثا في إيقاع الحياة المعاصرة السريع الذي نعيش والذي يتطلب من الأهل ومن أولياء الأمور أن يكرسوا أوقاتهم لاجتماعاتهم ووظائفهم ومؤسساتهم ومراكزهم، فينشغلون عن واجباتهم الأسرية، ويتخففون فيما يخص أدوارهم الأبوية وهنا تقرع المؤلفة ناقوس الخطر وتحذر من هذه الهوة السحيقة التي تأكل أرواح الأطفال ممن يعيشون في بيئات ينشغل فيها الآباء والأمهات عن أطفالهم، فيحرمونهم الوقت النوعي والمتابعة الحثيثة والرعاية المكثفة، فالبنت في هذا البيت الغني الفقير الغني بالماديات وبالانشغالات.
الفقير للرعاية والاهتمام والنوعين واجبين على الآباء والأمهات.
لذا، البنت في هذا البيت وحيدة ولذا تقدمت للمصنع بطلبية تريد فيها أن تحصل على قطة برتقالية من مصنع القطط لتكون لها رفيقة، رقيقة، رشيقة وذكية تملأ أوقاتها وتفرح قلبها وتشاركها لحظاتها وأفكارها وأعمالها وكم هي موجعة هذه الصفحة، التي تحدد فيها المؤلفة سبب المشكلة، حيث تنادي البنت والدها قائلة: " بابا إلعب معي، ماما اقرئي قصة لي" فيأتيها الرد: " يلا يلا" يقول بابا" بعد قليل: تقول ماما" ولكن هذا لا يحصل.
فلا الأب يلعب معها ولا الأم تقرأ لها قصة؛ لذا هي تنتظر بفارغ الصبر أن يرسل مصنع القطط قطتها البرتقالية التي تحلم كل ليلة باستلامها، وتسترسل في تخيل الأوقات.
المانعة النافعة التي ستقضيها معها، وترافقها فيها وتموء لها مشاركة إياها أوقاتها، بل وقد صارت مطلبًا تدعو والديها لاستجلابه لها قائلة لهما: " بابا، ماما، أريد في العيد قِطة فروها ناعم برتقالية، من مصنع القِطط الذهبية" ويؤكد لها والداها: " حاضر، حاضر، ستكون القِطة لكِ عيدية" وبلهفةٍ وترقبٍ وشغفٍ عميق تترقب البنت لتستلم الطلبية وتفتح الباب يومًا بعد يوم، بانتظار الصندوق الذهبي الملفوف بالشرائط الذهبية لتصل طائرة الدرون التي تحمل الصندوق في يوم من الأيام ولترمِ العلبة في البركة المائية لنسمع صوت: طُشْ.
طُشْ.
فِشْ فِشْ.
فتحت البنت العلبة الذهبيّة لتتفاجأ بأن ما فيها: ليستْ قطة.
وليست بَطة.
وليست عصفورًا.
وليست ديناصورًا.
إنه، إنه، إنه، إنه قنفذ! !!
ليدور حوار داخلي نشاهده في الرسم في القصة كلا المخلوقين يتساءلان من تكون؟ من يكون؟ من هي؟ من هو؟ تبدو لطيفة، يبدو لطيفا، مخيفة، مخيفا، صغيرة! صغيرا!
ليرن في هذه الأثناء في المصنع جرس الإنذار بأن هناك خطأ في الطلبية فقد قفز القنفذ البرتقالي في الصندوق بدل القطة البرتقالية.
ليصل مندوب المصنع للبيت وقد أحضر الصندوق بقطة برتقالية ليسترجع القنفذ إلا أن البنت قالت: " لا تأخذه، إنه صديقي الذي يؤنسني في الصبح والعشية" ونادته" شكشوكي.
شكشوكي" ليظهر وينشر أشواكه القوية وليدور دورةً مكوكية فر على إثرها المندوب لتظل البنت مع صديقها القنفذ ومع صديقتها القطة البرتقالية، ولتختم الكاتبة القصة في الصفحة التي ترفع فيها البنت القنفذ وتنظر القطة البرتقالية نحوها بعين الغبطة وتقول:
الفرو الناعم حلو! لكن، أحيانًا الأشواك هدية! توزعت مادة القصة النصية والبصرية بالجمل والكتابة والرسومات على (25) صفحة ملونة صقيلة، وصدرت عن دار (أصالة) ضمن المستوى ك للصفين الثالث والرابع في معايير مؤسسة الفكر العربي معايير تصنيف هنادا طه وعربي _ 21.
ولتترك في قارئها أسئلة معلقة واهتماما عميقا بأهمية كل لفظ وأثره التربوي وهو الأهم والأعمق وكذلك، اللغوي البنائي النمائي وفق التصنيف الذي تترجمه القصة.
أنت وأنت تقرأ تكاد تمسك بالقلم وتضع خطا تحت عبارات ودلالات تكشف عن عمق البناء واتصاله الوثيق بالتشابك والتشجير اللغويين وبآليات إغناء الثروة اللغوية عبر خصائص لغوية تمتاز بها العربية من الطباق والسجع والجناس، ومعظمها حاضرة في القصة بما يطلق العنان لخيال القارئ من أي عمر كان، ليتصور عبر الكلمة ما هو أبعد من اللون واللوحة، إلى ما يعرف باسم" المخيال" في الدراسات الأدبية النقدية التراثية منها والحداثية، حيث القارئ هو المخرج وهو المعد وهو السينوغراف، فالمنطقة الحرة في الروح والدّماغ لا يمكن الاطلاع على عمقها وبعدها واتساعها، إذ هي مساحة تخص كلا منا بحرية مطلقة أكاد أجزم أنها تقارب البعد الرباني في قوله - عز وجل-" وعلّم آدم الأسماء كلها" في استنطاق عميق لمعنى الخلافة على الأرض لبني آدم من صلح منهم ومن يُصلح أو يجتهد وهذه مجتمعة تقدير العطايا والنعم والعرفان وتاجها التسليم، حيث سلمت البنت المعرفة النكرة حقًا بأن القنفذ بشوكه هو أيضًا هدية!
فمرحى للأشواك التي تعلمنا وترشدنا وتردنا إلى الله ردًا جميلًا!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك