يشكل شهر رمضان الـمبارك في الوعي الجمعي للمسلمين أكثر من مناسبة شعائرية عابرة؛ فهو يتضمن عبادات كثيفة المعاني، تتداخل فيه الروحانية مع السلوك الاجتماعي، وتتفاعل فيه العبادة مع المسؤولية العامة.
ومن ثم، فإن الفكرة المركزية التي ينبغي أن ننطلق منها هي أن لهذا الشهر خصوصية قادرة على توليد طاقة إيمانية وسلوكية كبيرة، وإذا أحسن توظيفها أمكن تحويلها إلى قوة إصلاح اجتماعي وثقافي في بلدنا الأردن، وفي العالم العربي والإسلامي.
اضافة اعلان.
على امتداد التاريخ الإسلامي، ارتبط رمضان بلحظات مفصلية عززت حضوره في الوجدان الجمعي، سواء من حيث الانتصارات العسكرية الكبرى، أو كونه موسمًا لتجديد الإيمان، ومراجعة السلوك، وتعزيز صلة الرحم، وتكثيف أعمال البر، وهذه الأبعاد لا تختزل في بعدها التعبدي، بل تتجاوز ذلك إلى بناء شبكة تضامن اجتماعي تعيد الاعتبار لفكرة الجماعة في مواجهة النزعات الفردانية المتصاعدة.
وما أحوجنا إلى ذلك، في عصر تتغلغل فيه القيم الرأسمالية التي تعلي من شأن المصلحة الفردية، وتصنع بيئة خصبة لتعزيز الأنانية، والذاتية، وبذلك يكون الشهر الفضيل فرصة لإعادة التوازن بين حق الفرد وواجب المجتمع.
أولى المسارات التي تستدعي إعادة النظر هي مسار العمل الخيري.
فرغم الزخم الكبير الذي يشهده هذا المجال في رمضان، إلا أن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية ترشيد هذه الطاقة وتوجيهها نحو أولويات استراتيجية، إذ إنه لا يكفي أن تتضاعف الصدقات والزكوات؛ بل الأهم أن تدار ضمن رؤية تنموية واضحة.
فإلى جانب دعم الفقراء والمحتاجين، يمكن توجيه جزء من هذه الموارد إلى مجالات البحث العلمي، وتمويل المراكز البحثية في الجامعات، ودعم الابتكار، بوصف ذلك استثمارًا طويل الأمد في نهضة الأمة، وهناك ارتباط شرطي قوي بين البحث العلمي الحقيقي المنتج، وتقليل مستويات الفقر، وزيادة جودة الحياة، وهذا جزء مما يسعى إليه الإسلام، ويجب ألا نفهم خطأ في هذا السياق فنحن نعلم أن الـمسؤولية الأولى للبحث العلمي تقع على عاتق الحكومة ومؤسسات التعليم العالي، ولكن مفهوم الوقفية العلمية، يجب أن يكون جزءًا من تفكير أي مسلم، لما فيه من إمكانيات لتطوير المجتمعات، ومحاربة الفقر.
إن إعادة تعريف مفهوم الصدقة لتشمل البعد المعرفي والتنموي يمثل نقلة نوعية من الإغاثة المؤقتة إلى البناء المستدام، والمؤسسية والحوكمة.
المسار الثاني يتعلق بإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.
لقد شهدت المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الأردني، تحولات متسارعة خلال عقود قليلة، انتقلت فيها من أنماط حياة تقليدية إلى أنماط مدنية حديثة.
ورغم ما حملته هذه التحولات من مكاسب في التعليم وبناء المؤسسات وفي تغيرات اجتماعية إيجابية، إلا أنها صاحبتها نزعة فردانية متنامية.
من هنا، يبرز الشهر الفضيل كمساحة لإعادة ترسيخ مفهوم أن الفرد مسؤول عن الجماعة، وأن الجماعة معنية بالفرد، وأن التضامن ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا لبقاء المجتمع متماسكًا.
ويتصل بذلك ضرورة إعادة الاعتبار لمنظومة القيم: حماية الأطفال، صون حقوق الأقليات والمهمشين، وإشاعة مفهوم العيش الـمشترك، وترسيخ الأخلاق العامة في الفضاءين الخاص والعام.
فالأحداث العالمية التي تكشف عن انهيارات أخلاقية مدوية تذكرنا بأن التقدم المادي، مهما بلغ، لا يعوض غياب الضوابط القيمية.
ومن ثم، فإن رمضان ليس مجرد موسم تعبدي، بل مدرسة أخلاقية جماعية تعيد ترتيب الأولويات.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الحديث لا يقتصر على نقد الرأسمالية، بل على تهذيبها.
فالإسلام لا يعادي النجاح الفردي، لكنه يرفض تحوله إلى احتكار أو جشع.
والنجاح في الرؤية الأخلاقية ينبغي أن يكون قابلاً للنقل، أي أن يتحول إلى خبرة تدرس، وفرصة تتاح للآخرين، لا امتيازًا يغلق بابه على فئة أو مجموع، ومن هنا تبرز أهمية سياسات حكومية وتشريعات تشجع المشاريع الصغيرة، وتدعم الفئات المهمشة، وتربط بين العدالة الاجتماعية وزيادة الإنتاجية.
إن إعادة اكتشاف رمضان تعني الانتقال من استهلاك طقوسي للشهر إلى توظيف حضاري له.
فطاقته الروحية يمكن أن تتحول إلى مشروع أخلاقي واجتماعي واقتصادي متكامل، إذا ما أديرت ضمن رؤية واضحة وأهداف محددة.
وفي تقديري، إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعظيم الشعائر، بل في تحويل أثرها إلى سلوك دائم يمتد إلى ما بعد الشهر الفضيل.
عندئذ فقط يصبح رمضان نقطة انطلاق لإصلاح مستدام، لا محطة موسمية عابرة.
مبارك الشهر الفضيل على الجميع، نتمنى أن تزداد الإنتاجية فيه لتتناسب مع قيمه، وأساسياته، وندعو الله فيه أن يرتفع منسوب العدالة الاجتماعية في العالم، وأن تتحرر الأوطان، ويقل الظلم في الحياة، وأن تسود هذا الكوكب الأخلاقيات الحقيقية البعيدة عن المصلحة، وفرض القوة، والنفوذ، وأن نعيش في سلام حقيقي على الـمستوى الاجتماعي، والوطني، والعالمي، وهذا ليس ببعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك