الفرق يكمن في البنية العميقة للسياسات، وفي الصورة التي يحملها المجتمع عن نفسه، فالمجتمع الذي يسعى إلى التنمية ينظر إلى الفقر بوصفه خللاً طارئاً يجب تجاوزه، أما المجتمع الذي يتعامل معه كمشكلة دائمة وقدر محتوم، يكتفي بإدارة الفقر وتنظيمه فقط، من هنا تبدأ الحكاية.
اضافة اعلان.
ومن هنا يجب تصحيح مفهومنا عن التنمية، حيث يرى البعض أنها القدرة على إعطاء القروض، أو تقديم المنح، لتخفيف الألم عن الناس، وبعضهم يراها في مشاريع شكلية يقص شريطها في احتفال رسمي، أو في مؤشرات تصدرها مؤسسات دولية تظهر فيها تحسناً طفيفاً في مؤشر التنمية، هذا المفهوم لا يسمى تنمية، بل يندرج تحت مفهوم إدارة الفقر، أما التنمية فهي شيء مختلف تماماً، هي وعي الإنسان بموقعه داخل معادلة المجتمع، وتحويله من متلق للخدمة إلى فاعل ضمن المعطيات المتاحة، ومن تابع للظروف خاضع لها إلى صانع للفرص، ومن الرغبة في أن يكون مستهلكاً دائماً، إلى الإرادة والسعي في أن يكون منتجاً، هذا هو المقياس الحقيقي للتنمية، حيث تقاس بمدى القدرة على تغيير وعي الإنسان بذاته وبمحيطه ليكون فاعلاً ومنتجاً.
أما إدارة الفقر فتعني أن يرسخ في وعينا أن الفقر جزء من نظامنا الحياتي، لا خللاً فيه، وأن تتحول حاجات الناس إلى ملفات متراكمة تنتظر الدور، والفقير إلى رقم فيها، والمعاناة إلى بند في الموازنة، ويصبح الهدف أن نخفف الألم دون أن نقترب من جذور المشكلة لحلها، وأن نوزع المعونات دون أن نحرر قدرة الإنسان من الوهن الذي يتملكه، وأن نؤمن لهم البقاء، دون أن نفتح لهم باب الاستقلال، في إدارة الفقر يبقى المجتمع واقفاً على حافة العوز والحاجة، لكن بشكل منظم.
المفارقة المؤلمة أن إدارة الفقر قد تبدو رحيمة في ظاهرها، فهي تقدم دعماً، وتؤمن حداً أدنى للعيش، وتحول دون الانهيار الكامل لإمكانات الفقير، لكنها في عمقها قد تنتج شكلاً ناعماً من ثقافة التواكل الدائم، فالإنسان الذي يربى على تلقي الدعم بوصفه استحقاقاً طبيعياً له، يتراجع فيه حس المبادرة شيئاً فشيئاً، وتتآكل لديه القدرة على تحمل المسؤولية، ويغدو أقرب إلى التدجين، الذي يقتل روح الطموح، هنا تصادر الإرادة الإنسانية الفاعلة، وندخل في نوع جديد من الفقر أشد خطورة من فقر الجيب، هو فقر القدرة والفاعلية، ليبقى شعور الاحتياج ملازماً لهذا الإنسان إلى الأبد، هنا لا يعود الفقر مجرد معاناة بل نمط عيش يورث جيلاً عن جيل.
حينها تغيب ثقة الإنسان بنفسه، ويتحول المجتمع إلى طابور انتظار كبير، انتظار الوظيفة، انتظار الدعم، وانتظار قرار الزيادة، وتتحول الدولة من شريك في التمكين إلى معيل دائم، ويصبح الاستقرار هو تأمين المعوزين بالحد الأدنى من حاجاتهم، هكذا تتكرس إدارة الفقر ليصبح المجتمع يعيش على الحد الأدنى دون أن يتجاوزه.
ثم تتشكل حول الفقر منظومة كاملة من البرامج، والتقارير، والمؤسسات، والوظائف، والتمويل، التي تستنزف الاقتصاد والموارد، لتقوم على تنظيم وتمويل الحاجة لا إنهائها، ويصبح الفقر مجالاً للعمل، وملفاً للإدارة، وساحة لإظهار الكفاءة البيروقراطية، ومع الوقت يغدو القضاء على الفقر تهديداً لهذه المصالح التي تقوم على وجوده، وهنا لا يعود السؤال كيف نعالج الفقر؟ بل كيف نحسن إدارته؟ وهنا يكمن الخطر.
التنمية الحقيقية قرار ثقافي، قبل أن تكون سياسة اقتصادية، قرار أن كرامة الإنسان لا تختزل براتب، بل في قدرته على الانتاج والعمل، وأن العدالة ليست بالمفهوم السلبي للمساواة، بأن نساوي بين المحتاجين في تلقي الدعم والإعانة، بل العدالة الحقيقية في تكافؤ الفرص لا في تكافؤ الفقر، وفي توسيع دائرة القدرة والاعتماد على الذات، لا في توسيع دائرة الاعتماد على الغير، هنا يعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل، ويظهر هدف التنمية في بناء القدرات لا في توفير الدخل، وحينها يكون السؤال: كم سنمكن؟ لا، كم ننفق؟
الفرق بين التنمية وإدراة الفقر ليس فرقاً إدارياً، بل هو فرق حضاري، فإما أن نصنع إنساناً شريكاً في بناء الوطن، أو نصنع إنساناً تابعاً وعبئاً على الوطن، في هذا الاختيار تتحدد صورة المجتمع.
ومصيره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك