قد يحق لزائر الموقع الرسمي للرئاسة التونسية على شبكات التواصل أن يرتاب في أن قيس سعيّد يترأس دولة متخيلة سابحة في فضاء افتراضي، وليس تونس البلد الذي يعاني مواطنوه من أزمات خانقة معيشية واقتصادية وحقوقية ودستورية، وأن الغلاء الفاحش وندرة المواد الأساسية وتدهور الخدمات العامة الصحية والتربوية ليست عناصر دائمة على جدول مشاق الحياة اليومية للسواد الأعظم من المواطنين.
ففي أحدث تدوينة أعقبت استقبال رئيسة الحكومة سارة الزعفراني، قالت الرئاسة إن اللقاء تناول الوضع العام في البلاد وخاصة سير عدد من المرافق العامة “التي لا تُدار على الوجه المطلوب”، فكان استنتاج سعيّد أن السبب لا يعود إلى سوء إدارة رجاله ومنظومة الحكم أساساً، وإنما “تأجيج الأوضاع من قبل فلول المنظومة القديمة التي تحاول بكل الطرق استرداد أنفاسها وتتلوّن كلّ يوم بلون”.
كذلك تلاحظ التدوينة أن “تونس اليوم ليست في حاجة لتواصل معركة التحرير الوطني، إلى ثورة تشريعية فحسب بل إلى ثورة إدارية مشفوعة بأخرى ثقافيّة”، وهذه فرضية حق لكنها لا تنتهي إلا إلى الباطل بالنظر إلى سلسلة الإجراءات التعسفية التي اتخذها سعيّد نفسه خلال انقلاب 25 تموز (يوليو) 2021: عزل الحكومة، وحلّ البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء، وفرض دستور جديد لم تصوت عليه سوى نسبة محدودة من المواطنين، وتمرير قانون انتخابات مفصّل على مقاسات قصر قرطاج، وكل هذا عدا عن حملات اعتقال متواصلة طالت نشطاء مجتمع مدني وصحافيين وممثلي رأي عام وساسة وقضاة ونواباً في المجلس ذاته الذي كرّسه سعيّد.
فهل تضع الرئاسة التونسية، في عداد “فلول المنظومة القديمة”، اتحاد الطلبة الذي أعلن عن “تنديده الشديد واستنكاره المطلق لإقدام دواوين الخدمات الجامعية على إبرام صفقة” مع شركة ألبان فرنسية ثبت تورطها في دعم دولة الاحتلال الإسرائيلي، ودعا الطلاب إلى مقاطعة منتوجاتها، مطالباً بالإلغاء الفوري لهذه الصفقة؟ أم حين شدد الاتحاد على استعداده لخوض “كل أشكال النضال المشروعة، دفاعًا عن جامعة حرة، واعية، وحصينة ضدّ كلّ أشكال الاختراق والتطبيع المقنّع”؟أم تضع أيضاَ، في خانة “الفلول” إياها، وقفة احتجاجية أمام قصر العدل نظمتها حشود من المحامين، ضد القيود التي تفرضها السلطات ومن شأنها أن تعيق عملهم في المحاكم وتعرقل واجباتهم في الدفاع عن الموقوفين، رُفعت خلالها لافتات تقول: “لا للتضييق على حق الدفاع” و”لا محاكمة عادلة دون دفاع حر” و”منع زيارة الموقوفين انتهاك لحق الدفاع”؟وفي ميادين حقوقية وقضائية ودستورية عديدة، أتكون منظمة عالمية ذات مصداقية عالية مثل “العفو الدولية” في عداد فريق “التأجيج” الذي يتحدث عنه الرئيس التونسي؟ وذلك حين اعتبرت أن الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف في تونس، في إطار ما يُعرف بـ”قضية التآمر 2″، بمثابة “دليل إضافي على تضييق الحيّز المدني وتآكل استقلالية القضاء وضمانات المحاكمة العادلة في تونس”؟استيهامات سعيّد ليست سوى واحدة من ابتلاءات البلاد بمنظومة التسلط التي يقودها، ولا صلة تجمعها بتونس المعاناة والمشقة والتنكيل والأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك