اعتادت الأسر التونسية مع اقتراب شهر رمضان على الاستعداد له، سواء في المنازل أو الأسواق، غير أنّ استعدادات هذا العام تبدو مختلفة مقارنة بسنوات ماضية.
يلاحظ كثيرون غياب ظاهرة الاستهلاك المفرط في استعدادات التونسيين لحلول شهر رمضان، إذ لا تظهر هذا العام مظاهر اللهفة على اقتناء المستلزمات التقليدية، وتكتفي الأسر بالحد الأدنى من المشتريات لتوفير مؤونة مؤقتة لموائد شهر الصيام، ولوازم زينة البيوت.
ويصنف شهر رمضان في تونس ضمن المواسم الاستهلاكية الكبرى التي يتصاعد فيها إنفاق الأسر، غير أن الصعوبات المعيشية باتت أكثر وضوحاً مع تراجع حركة الأسواق وبروز فتور قسري لدى طيف واسع من المواطنين يمنعهم من الإنفاق بسخاء لاستقبال شهر الصوم، وتتداخل في ذلك عوامل اقتصادية واجتماعية أثّرت على نسق التحضير وعادات الاستهلاك في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
تقول نفيسة الشريف إن استعدادات شهر رمضان تحولت إلى الفضاء الرقمي، حيث تبدو مظاهر الاحتفال أكثر بهجة من الواقع، مؤكدة أن ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي من حملات تسويقية لا يعكس وضع الأسر التي تبدو محجمة أكثر من أي وقت مضى عن الإنفاق الرمضاني، فالصعوبات المالية تُجبر الأسر على الاستعداد بأقل كلفة ممكنة، مع الاستغناء عن العادات المكلفة، مثل تغيير أطقم الأكل ودهن المنازل، والاكتفاء بتوفير نفقات الطعام.
وتضيف: " اعتاد التونسيون، خاصة في المدن الكبرى، تزيين المنازل احتفاء بحلول رمضان، إضافة إلى إنارة بعض الشوارع والأسواق التقليدية بالزينة الرمضانية، لكنّ هذه المظاهر تبدو هذا العام أقل كثافة، سواء بسبب ارتفاع أسعار الزينة، أو انشغال الأسر بتأمين الاحتياجات الأساسية.
لا تزال بعض العائلات تحرص على الأجواء الرمضانية البسيطة، مثل إعداد ركن خاص للصلاة، في تأكيد على رمزية الشهر وأبعاده الروحية".
وتشهد الأسواق البلدية والمحال التجارية عادة إقبالاً متزايداً قبيل حلول رمضان، إذ تحرص العائلات على اقتناء المواد الأساسية مثل التمور، والزيت، والسميد، والدقيق، والسكر، والتوابل، إلى جانب مستلزمات الحلويات التقليدية، لكن هذا العام يسجل تغيّراً في سلوكيات الشراء، فالكثير من العائلات باتت تقتني حاجياتها بكميات أقل، ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واعتماد سياسة ترشيد الاستهلاك.
ورغم الضغوط، تبقى مائدة الإفطار مناسبة اجتماعية بامتياز، إذ تحرص العائلات على إعداد أطباق تقليدية مثل" شوربة الفريك" و" البريك" مع إدخال تعديلات على مكوناتها، مثل التخلي عن اللحوم الحمراء، واستبدالها بالدواجن أو أنواع من السمك الرخيص.
وفي شهر رمضان تتزايد في محافظات تونس المبادرات التضامنية لتنظيم موائد الإفطار الجماعية، أو توزيع سلال المؤونة من قبل الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني، في محاولة للتخفيف من الأعباء الاجتماعية التي تتضاعف، كما يتميّز رمضان في تونس بجملة من العادات الاجتماعية، أبرزها تبادل الزيارات العائلية، وتبادل دعوات الإفطار، خصوصاً في الأيام الأولى من الشهر، كما تحرص العائلات على إعداد أطباق إضافية لتقاسمها مع الجيران أو الأقارب.
ومن بين التقاليد المتوارثة خروج العائلات بعد الإفطار للتنزه في المقاهي أو الأسواق الليلية، إضافة إلى حضور السهرات الثقافية وسهرات الإنشاد الديني.
يقول رئيس منظمة" إرشاد المستهلك"، لطفي الرياحي، لـ" العربي الجديد": " رغم كل التحديات المعيشية، يحاول التونسيون التمسك بعاداتهم الرمضانية، فالتغيرات الاجتماعية لا يمكن أن تمحو إرثاً عمره قرون.
لكل فترة زمنية تحدياتها، ومع ذلك تمكنت التقاليد الأصيلة لرمضان من الصمود، والجانب الروحي يبقى محور الاستعداد الأساسي لدى كثير من التونسيين، إذ يحرص الكثيرون على تهيئة أنفسهم للصيام عبر الإكثار من العبادات، وقراءة القرآن، وتنظيم أوقات العمل والراحة بما يتناسب مع خصوصية الشهر، كما تشهد المساجد عادة إقبالاً متزايداً خلال صلاتي العشاء والتراويح".
ويرى الرياحي أن" تغير نمط الاستعداد لرمضان يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أهمها الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تحولات اجتماعية شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، مثل تغير أنماط الاستهلاك، وتنامي الوعي بضرورة الحد من التبذير، كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في نشر ثقافة الاستهلاك الواعي، إذ باتت حملات التوعية تشجع على تبسيط موائد الإفطار، والتركيز على البعد الروحي للشهر بدل المظاهر الاستهلاكية".
تبدو استعدادات التونسيين لشهر رمضان هذا العام مزيجاً من الحذر الإنفاقي والتمسك بالعادات، حيث تحاول الأسر التوفيق بين متطلبات الحياة والحرص على إبقاء روح الشهر حاضرة، سواء عبر الطقوس الدينية أو التقاليد الاجتماعية المتوارثة، ورغم التحديات، يظل رمضان بالنسبة لكثير من التونسيين مناسبة لتعزيز التقارب العائلي، واستعادة القيم الروحية، ما يجعل الشهر يحافظ على مكانته الخاصة في وجدان الناس مهما تغيرت الظروف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك