الذهب في الإسلام.
قيمة ربانية بين التشريع والاقتصاد.
احتلّ الذهب مكانة خاصة في التشريع الإسلامي، لم تنبع من كونه معدنًا ثمينًا فحسب، بل من كونه مقياسًا للعدل، ووسيلة لحفظ الحقوق، وأداة لضبط القيم الاقتصادية.
فقد تعامل الإسلام مع الذهب بوصفه قيمة حقيقية ثابتة، لا تخضع للأهواء ولا تتآكل بتقلّبات الزمن.
ورد ذكر الذهب في القرآن الكريم في سياقات متعددة، تعكس مكانته الدنيوية والأخروية.
ففي الدنيا جاء التحذير من كنزه دون حق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وفي الآخرة جاء الذهب رمزًا للنعيم والكرامة، في إشارة واضحة إلى أن القيمة ليست في المعدن ذاته، بل في كيفية التعامل معه.
نظّم النبي ﷺ التعامل بالذهب تنظيمًا دقيقًا، فحرّم الربا في الذهب، وأرسى قواعد العدالة في تبادله، حين قال: الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، يدًا بيد.
وهذا التشريع لم يكن تفصيلاً فقهيًا محدودًا، بل نظامًا اقتصاديًا وقائيًا يمنع الاستغلال، ويؤسس لاقتصاد قائم على القيمة الحقيقية لا على الوهم النقدي.
اعتمد المسلمون الذهب (الدينار) والفضة (الدرهم) أساسًا للنقد عبر قرون طويلة، وهو ما منح الاقتصاد الإسلامي استقرارًا نادرًا في التاريخ.
فالذهب لا يُطبع، ولا يُستحدث بقرار سياسي، ولا يفقد قيمته بفعل التضخم، مما جعله أعدل مقياس للثروة.
لم يُترك الذهب في الإسلام أداة تكديس، بل فُرضت فيه الزكاة ليبقى في دورة اقتصادية عادلة.
فالزكاة ليست عبئًا على الثروة، بل آلية تطهير وتنمية، تضمن عدم تحوّل المال إلى سلطة جامدة بيد فئة دون أخرى.
في عالم اليوم، ومع تصاعد الأزمات المالية، وتآكل الثقة بالعملات الورقية، يعود الذهب ليؤكد صحة الرؤية الإسلامية التي ربطت المال بالقيمة الحقيقية، وربطت الثروة بالأخلاق.
إن ما نشهده من عودة البنوك المركزية إلى الذهب، ليس إلا تطبيقًا عمليًا متأخرًا لفلسفة اقتصادية سبق إليها الإسلام.
الإسلام لم يُقدّس الذهب، ولم يُحقّره، بل وضعه في موضعه الصحيح:
ومن هنا، فإن دراسة الذهب في الإسلام ليست دراسة تاريخية، بل مشروع فكري واقتصادي معاصر يعيد تعريف المال، ويضبط العلاقة بين الثروة والإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك