لم يكن الوزير والنائب السابق اللبناني محسن دلول شخصية عابرة في التاريخ اللبناني، بل كان جزءاً من مسارات عدة في بيروت، سواء بالاستعانة بمهنته صحافياً، أو بكونه مستشاراً ثم سياسياً في مراحل أخرى.
وفي حياته الحافلة، شهد دلول الذي توفي أمس الثلاثاء، على الثورة الناصرية في 1958 في لبنان، والحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، واغتيال زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط في 1977، ومرحلة إعادة الإعمار مع رئيس الحكومة رفيق الحريري.
كانت بدايات دلول، المولود من عائلة شيعية في بلدة علي النهري في البقاع ـ شرقي لبنان في عام 1933، مدرساً في البقاع وبيروت، قبل الانتقال إلى العمل الصحافي والالتحاق بنقابة المحررين.
خلال هذه الفترة انضم دلول إلى الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1951، وكان من المقربين جداً لمؤسسه كمال جنبلاط، فيما رثاه الرئيس السابق للحزب وليد جنبلاط أمس، على موقع" إكس" قائلاً: " ولّى اليوم صديق كبير لكمال جنبلاط رافقه في النضال الوطني والعربي على مدى عقود.
عرفته محباً وصادقاً في أقسى الظروف وداعاً يا أبا نزار".
جمع محسن دلول كلا من بشير الجميل وكمال جنبلاط في منزله.
وأدى محسن دلول دوراً بارزاً في تزخيم الثورة الناصرية في عام 1958، التي قامت ضد حكم الرئيس كميل شمعون.
وكان جنبلاط في طليعة المحاربين ضد شمعون، داعياً إلى إسقاطه.
لكن شمعون، الرئيس الثاني للبنان بعد الاستقلال عن فرنسا في عام 1943، استمر حتى نهاية ولايته الدستورية.
بعد ذلك، واكب دلول مرحلة تزايد التوترات السياسية في لبنان، منبثقة خصوصاً من اتفاق القاهرة.
في عام 1969، الذي سمحت بموجبه الدولة اللبنانية باستخدام الفلسطينيين منطقة العرقوب في شبعا ـ جنوبي لبنان للقتال ضد الاحتلال الإسرائيلي.
أفضى ذلك إلى ارتفاع منسوب التوتر في لبنان، وصولاً إلى انفجار الحرب اللبنانية في عام 1975، حينها تحول محسن دلول إلى لاعب أساسي في المفاوضات التي كانت تُجرى بين الأطراف اللبنانية والفلسطينية والسورية، محافظاً على الحدّ الأدنى من التواصل بين المقاتلين، مع بقائه وفياً لكمال جنبلاط.
خلال فترة الحرب، قُتلت ليندا جنبلاط الأطرش، شقيقة كمال جنبلاط، في منطقة بدارو، الواقعة في ضواحي بيروت الشرقية التي كانت خاضعة لحكم الكتائب اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية الراحل بشير الجميّل.
وقعت الجريمة في مطلع شهر مارس/ آذار 1976، التي ندد بها الجميّل، ما أدى إلى لقاء جمعه مع كمال جنبلاط في منزل محسن دلول قرب دار الإفتاء في عائشة بكار في بيروت.
وكتب محسن دلول عن اللقاء في كتابه" الطريق إلى الوطن ربع قرن برفقة كمال جنبلاط"، الصادر في طبعته الأولى في عام 2010، أنه" عُقِد لقاء تعزية بين بشير الجميّل قائد القوات اللبنانية الكتائبية آنذاك في منزل المؤلف دلول وذلك في أوائل مارس 1976، عبّر فيه الجانبان عن استعدادهما لضبط الأمور والاتفاق على برنامج إصلاحي للبلد.
ووافق بشير الجميّل في ذلك اللقاء على برنامج الإصلاح الذي أعدته الحركة الوطنية كصيغة للتسوية السياسية بين الأفرقاء في البلد لإنهاء الصراع المسلح.
وقال إنه مع تطبيق كامل لبنوده باتجاه الدولة المدنية، في وقت كانت فيه القوات السورية العسكرية بدأت بالتمدد والانتشار على الأرض اللبنانية وهو أمر عارضه كمال جنبلاط وبشير الجميّل.
ووصف القائد الفلسطيني الراحل أبو حسن سلامة الذي رافق بشير إلى ذلك الاجتماع بجنبلاط هذا التمدد السوري بمحاولة للتشويش على ذلك الاجتماع".
ولم يتوقف دور محسن دلول عند هذا الحد، في محاولة تأديته أدواراً توفيقية، لكن الضغط العسكري، السوري خصوصاً بقيادة حافظ الأسد، أفضى إلى اغتيال كمال جنبلاط في 16 مارس 1977، وانتقال زعامة الحزب إلى نجله وليد.
وحول اغتيال كمال جنبلاط، قال دلول إن من اغتاله هو كل العرب والعالم، لأن الاغتيال لا يكون بقرار فردي، كاشفاً لبرنامج" وفي رواية أخرى" على قناة" العربي" في يونيو/ حزيران 2023، أنه نقل في إحدى المرات رسالة إلى جنبلاط من وزير خارجية تونس الراحل الحبيب الشطي، الذي كان زميلاً لجنبلاط بالدراسة في فرنسا يبلغه فيها بأن ينتبه" ولا يحاول قطع الخيوط التي تسير لأنها تقطعه".
تحول محسن دلول في أواخر السبعينيات وحتى نهاية الحرب اللبنانية في 1990، إلى شخصية ساعية للربط بين المتقاتلين.
واعتبر أنه كان بإمكان الرئيس الأسبق، أمين الجميّل، لدى تسلمه سدة الرئاسة خلفاً لشقيقه المغتال بشير في عام 1982، القيام بمصالحة في لبنان، إلا أنه إما لم يستطع نظراً إلى معارضة مناصري شقيقه الراحل له وإما أنه لم يرغب القيام بذلك.
وعن تقييمه لأداء" الحركة الوطنية"، الطرف الذي ضمّ كل الأجنحة اللبنانية والفلسطينية المناوئة لـ" الجبهة اللبنانية" وعلى رأسها الكتائب، وتحالف الحزب التقدمي الاشتراكي ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، قال دلول لبرنامج" وفي رواية أخرى"، إن هذا الأمر لم يكن في مصلحة البلد في مرحلة معينة مع تحمل اللبنانيين عبئاً أكبر من طاقتهم.
في غضون ذلك، نشأت العلاقة بين دلول ورفيق الحريري في ثمانينيات القرن الماضي.
وكان اسم الحريري قد بدأ بالبروز بعد عام 1982، عبر حضوره مؤتمري جنيف 1983 ولوزان 1984 في سويسرا قبل أن يواكبه على مدى عقود حتى اغتياله في عام 2005، فيما نعاه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري.
أمس، قائلاً: " برحيل الوزير والنائب السابق والصديق الذي لازم الوالد المغفور له بإذن الله المرحوم محسن دلول، يكون لبنان قد خسر شخصية سياسية كرست حياتها للدفاع عن قناعاتها ومبادئها".
وعن بروز الحريري، ذكر دلول للبرنامج يومها أنه نصحه بعدم الدخول في" وحول السياسة"، إلا أن رئيس الوزراء الأسبق لم يستجب له.
وتحدث دلول عن محاولاته لحصر الخلاف وإزالته بين رفيق الحريري ورئيس الجمهورية بين عامي 1998 و2007، إميل لحود، من خلال جلسات في منزله بين الرجلين، إلا أنه لم ينجح في ذلك.
ورداً على سؤال عن دور النظام السوري في الخلاف بين لحود والحريري، أوضح دلول أن الجانب السوري كان يحاول إجراء مصالحة بين الرجلين.
بدأ دلول حياته صحافياً من بلدة علي النهري في البقاع.
وقبل التمديد للحود عام 2004 لمدة 3 سنوات إضافية في رئاسة الجمهورية، كشف دلول في لقاء أجرته معه قناة الجديد اللبنانية عام 2022 أنه سمع أن لقاءً سريعاً جرى آنذاك بين الحريري وبشار الأسد، طلب الأخير فيه من رئيس الوزراء الأسبق التفكير في التمديد للحود.
وفي حينه أبلغ الحريري موافقته على التمديد.
وروى محسن دلول أنه كان بالإمكان حينها تأمين أغلبية نيابية لإسقاط التمديد للحود، إلا أن الحريري قال له إنه لا يرغب في إغضاب الجانب السوري، رغم أنه كان غير مقتنع وغير موافق على هذه الخطوة.
وروى محسن دلول في لقائه مع" العربي" أنه عندما كان في زيارة لسورية، طلب منه عبد الحليم خدام إيصال رسالة إلى الحريري مفادها: " سلم عليه واطلب منه الرحيل، نحن لا نريده"، إلا أن الحريري ضحك ولم يأخذ الرسالة على محمل الجد بحسب دلول.
وعن دور الحريري بالقرار 1559 (يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية حرة في لبنان وانسحاب القوات الأجنبية ونزع سلاح المليشيات) قال دلول: " بمعلوماتي أن الحريري لم يكن له دور فيه، بل للعماد (الرئيس السابق) ميشال عون بواسطة مجموعة لبنانية سوقت له".
وحول اتهام سورية بالمسؤولية عن اغتيال الحريري عام 2005، اعتبر محسن دلول أن" المحكمة الدولية برأت دمشق من العملية، واتهمت عنصرين من حزب الله بتنفيذ العملية".
وعن علاقته بقائد الجيش في عام 1988 ميشال عون، لفت إلى أن مقربين من عون اتصلوا به في حينه لتبني ترشيحه لرئاسة الجمهورية، وأمّن له زيارة لسورية، في مرحلة بين عامي 1988 و1990، إلا أن الجانب السوري طلب وقتها برنامجاً للرئاسة من عون لأجل تأييده.
وأوضح دلول أنه" في حينه أرسل العراقيون أموالاً لعون مقابل إعلانه حرب التحرير (في عام 1989) على السوريين".
وأضاف: " عون راهن على فوز (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين في الحرب على الأميركيين خلال اجتياح الكويت (2 أغسطس/ آب 1990)، وأبلغته أنه في حال لم يمتثل للشرعية فالجيش السوري سيتدخل، وهذا ما حصل عندما قصفت الطائرات السورية القصر الرئاسي (في بعبدا في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1990)، قبل أن يغادر عون إلى المنفى في فرنسا".
وانتخب دلول نائباً لدورات عدة في التسعينيات، وشغل منصب وزير الزراعة ووزير الدفاع مرات عدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك