يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة، كي يفسح المجال لقلبٍ قرر أن يمضي.
ليس لأن الطريق معبّد، ولا لأن المصادفات تتواطأ مع الرغبات، وإنما لأن المرء حين يصغي بصدق إلى نداء داخله، تتبدل علاقته بالأشياء، فيرى العثرة امتحانًا، ويرى الانتظار تربيةً خفية للإرادة، ويرى في المسافة الطويلة مساحةً يختبر فيها صلابته وحنانه معًا.
القلوب لا تتكلم بصوت مرتفع، لكنها تعرف كيف تُلحّ.
تضع في صدر صاحبها فكرة صغيرة، وتتركه يفاوضها أيامًا وسنوات، ثم تعود فتطرق عليه من جديد، حتى يفهم أن المراوغة لن تنقذه من قدره الشخصي.
كثيرون يختارون السلامة، يلوذون بما اعتادوه، ويبررون تراجعهم بحكمةٍ باردة، بينما في أعماقهم حلمٌ يشيخ قبل أن يولد.
وقليلون أولئك الذين يقبلون التحدي، فيصافحون خوفهم، ويمضون.
ليس الطريق إلى الحلم مستقيمًا كما تتخيله الكتب التحفيزية، ولا هو معركة بطولية صافية.
هو حياة كاملة تتخللها التفاصيل الصغيرة، والالتزامات اليومية، والشكوك التي تزور المرء في الليل.
وهو صبر يتكرر كل صباح، وصبر يتجدد كلما تعثرت الخطى.
الصبر هنا ليس انتظارًا سلبيًا، بل فعل مقاومة هادئ، مقاومة للتعب، ولإغراء التراجع، ولأصوات الآخرين حين يطالبونك بأن تكون نسخة مألوفة منهم.
حين يصدق المرء نداء قلبه، تتغير زاوية النظر.
يرى في كل عائق درسًا، وفي كل خسارة تدريبًا، وفي كل تأخير اختبارًا لصدق الرغبة.
يتعلم أن الأحلام لا تُمنح لمن يتغنى بها، وإنما لمن يخدمها يومًا بعد يوم، ومن دون ضجيج داخلي، ومن دون إعلان متكرر عن نواياه.
الحلم كائن حساس، يحتاج إلى عناية، وإلى صبر طويل، وإلى قدرة على الاحتمال.
وما يبدو مستحيلًا من الخارج، يذوب تدريجيًا أمام إصرار هادئ.
المستحيل ليس صخرةً صماء، بل فكرة متضخمة في الذهن.
حين يقترب المرء منها، يكتشف أن لها شقوقًا، وأن بالإمكان تسلقها خطوة بعد أخرى.
تنحني المستحيلات أمام من يعرف ما يريد، وأمام من يقبل أن يدفع الثمن، وأمام من يتصالح مع بطء النتائج.
غير أن المسألة لا تتعلق بتحقيق حلم وحسب، وإنما بتحول داخلي عميق.
فالحلم الذي يتحقق بعد صبر طويل، يترك في صاحبه أثرًا مختلفًا.
يجعله أكثر اتساعًا، وأكثر فهمًا لمعنى الجهد، وأكثر رحمة بمن ما زالوا في بداية الطريق.
وحين تمشي الأحلام في وضح النهار، لا تكون مجرد إنجاز شخصي، بل شهادة على أن الإرادة قادرة على إعادة تشكيل المصير.
هناك لحظة فارقة في كل تجربة صادقة، لحظة يدرك فيها المرء أنه لم يعد يركض خلف حلمه، بل صار الحلم يسير معه.
عندها يهدأ القلق، ويستقر اليقين، ويصبح النجاح نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل.
يتحول الهمس البعيد الذي كان يسكن الخيال إلى واقع ملموس، وإلى تفاصيل يومية، وإلى مسؤولية جديدة.
الصدق مع القلب ليس رفاهية عاطفية، بل قرار أخلاقي أيضًا.
هو انحياز إلى ما نؤمن به، وإلى ما يمنح حياتنا معناها الخاص.
وهو شجاعة في مواجهة التوقعات الاجتماعية التي تحاصر الفرد بقوالب جاهزة.
كل مرة يختار فيها المرء صوته الداخلي، يحرر جزءًا من روحه، ويؤكد أن الحياة تستحق أن تُعاش بامتلاء.
قد يطول الطريق، وقد تتعثر الخطى، وقد يظن المرء أحيانًا أن الحلم ابتعد، غير أن الإصرار الصادق يعيد ترتيب المسافات.
ما كان بعيدًا يقترب، وما كان خافتًا يتضح، وما كان حلمًا يصبح خبرة معاشة.
وحين ينظر المرء خلفه، يبتسم لذلك القلب الذي ألحّ، ولتلك الخطوة الأولى التي بدت صغيرة، فإذا بها تفتح دربًا كاملًا.
هكذا تتحول الأحلام من همسٍ في العتمة إلى حقيقة تمشي معنا في وضح النهار، وهكذا يتعلم المرء أن الإصغاء إلى قلبه ليس مخاطرة عابرة، بل هو الطريق الوحيد كي يحيا حياة تليق به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك