أثارت المقرّرات التي اتخذها مجلس الوزراء اللبناني بإقرار زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12% موجة اعتراضات واسعة من الأوساط الشعبية والاقتصادية والسياسية التي دعت الحكومة إلى التراجع الفوري عنها لما سيكون لها من تداعيات كبيرة على الأثر التضخمي وكلفتي المعيشة والإنتاج.
وعلى أبواب موسم رمضان، أعلنت الحكومة اللبنانية عن زيادات قاسية على المواطنين بغرض إعطاء الموظفين بكافة أسلاكهم والمتعاقدين 6 رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين، تُرجمت سريعاً بإعلان أصحاب المحروقات صباح أمس الثلاثاء رفع الأسعار، علماً أنّ زيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة باتت في ملعب البرلمان الذي سيكون له كلمة الفصل فيها.
وفي تفاصيل المقرّرات التي أعلن عنها وزير الإعلام بول مرقص مساء أول من أمس، قرّر مجلس الوزراء زيادة 300 ألف ليرة (3.
3 دولارات أميركية) على صفيحة البنزين، وإلغاء الرسم المحتسب سابقاً على مادة المازوت، وتصحيح قيمة الرسم الذي كانت تستوفيه الخزينة اللبنانية على المستوعبات.
وأوضح مرقص أنه" عندما جرى بحث كلفة التعويض الشهري الذي سيعطى على أساس 6 أضعاف، ابتداء من الأول من مارس/آذار، وجدنا أن هذه الكلفة ستقارب 800 مليون دولار، ومن أجل سدها بطريقة مدروسة، أكد المجلس على قراراته لناحية التدقيق بأموال الدعم، وجباية 17% من صيرفة، تحسين الجباية، النظر بالأملاك البحرية والنهرية، متابعة تنفيذ أوامر التحصيل، وتشديد الرقابة على المعابر، وذلك لإدخال الإيرادات".
حذرت أوساط اقتصادية من أن ذهاب الحكومة إلى تمويل زيادات الرواتب والأجور من دون رؤية إصلاحية متكاملة، وبعيداً من مقاربة شاملة لإعادة هيكلة القطاع العام ستكون له انعكاسات كبيرة على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً أن المسار التصاعدي للأسعار سيشمل غالبية السلع والخدمات، وسينسحب حكماً على موظفي القطاع العام، الذين سيقبضون من جهة، ويدفعون باليد الأخرى الضرائب النارية.
وسُجل أيضاً غضب عارم من قبل موظفي القطاع العام، ولا سيما العسكريين المتقاعدين، الذين يرفضون أي زيادة على حساب المواطنين، ويعتبرون أن هذه المقررات من شأنها أن تضعهم في مواجهة مع الناس.
وسريعاً، توالت المواقف المعترضة على مقررات مجلس الوزراء، بحيث اعتبرت روابط التعليم الرسمي أن الزيادة التي أقرت" ليست بحجم تطلعاتنا ولا تصل إلى تحقيق مطالبنا"، رافضة تحميل الشعب اللبناني كلفة هذه الزيادة، على أن تلتقي لتحديد خطوات المرحلة المقبلة، مع إبقاء كافة الخيارات مفتوحة.
من جهته، قال رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسام طليس" إننا مع تحسين الأجور، لكننا نرفض تحميل المواطنين وقطاع النقل هذا العبء الإضافي"، مشيراً إلى أن المحروقات مادة أساسية، وأي زيادة عليها أو على الضريبة على القيمة المضافة ستنعكس فوراً على كلفة النقل وأسعار السلع، فيما المطلوب إيجاد بدائل عادلة بعيداً من جيوب الناس.
كذلك، سارع بعض النواب إلى تسجيل مواقف معترضة على المقررات التي اتخذتها الحكومة، بحيث شدد النائب إبراهيم منيمنة على أن" استسهال فرض ضرائب غير مباشرة بلا تمييز، يضرب قيمة التقديمات الممنوحة للقطاع العام ويفقدها قيمتها، ويزيد الضغط على الفئات الأكثر فقراً، فيما تُترك أموال الجباية المكدّسة (9 مليارات دولار) لدى مصرف لبنان من دون المسّ، والأملاك البحرية كما هي.
والنتيجة تضخّم أكبر يلتهم ما تبقّى من قدرة الناس على الصمود".
وذكّرت النائبة حليمة القعقور الحكومة بأن نسبة الضرائب التنازلية في موازنة 2026 هي 87%، وهي الأعلى بين موازنات كل الحكومات.
داعية إلى تحصيل التعويضات والضرائب من مافيا الكسارات وغيرها، وتبنّي إصلاحات جدية في القانون الضريبي لمنع التهريب الضريبي، وغيرها من الإصلاحات التي تؤمن إيرادات من أصحاب المصالح الكبيرة من أجل إنصاف فعلي وجدّي للقطاع العام الذي يستحق العيش الكريم.
في الإطار، يشرح الباحث في" الدولية للمعلومات" وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان صادق علويّة لـ" العربي الجديد"، تفاصيل هذه المقرّرات وتداعياتها.
ويقول علويّة إن معدل الضريبة على القيمة المضافة المحدثة بموجب القانون رقم 379 تاريخ 14/12/2001 هو 11%(بعد أن عدلت بموجب القانون 64 / 2017 ورفعت واحدا بالمائة حينذاك).
ويضيف" تعديل هذا المعدل أو النسبة المئوية يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب، وبالتالي فإنّ جلّ ما يمكن أن تقوم به الحكومة هو مشروع قانون لإحالته إلى المجلس النيابي الذي بدوره يملك القرار المناسب"، معتبراً أن" هذا الأمر يقتضي أن يعرض أيضاً على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وفقاً لأحكام القانون 288/2022 حيث ينص في مادته الثانية على أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يتولى إبداء الرأي في جميع مشاريع القوانين واقتراحاتها ذات الصلة بالمواضيع الاقتصادية والاجتماعية".
ويتابع علويّة" من حيث الأثر المالي لهذا المشروع، فإنه في قانون موازنة العام 2026 تقدّر الحكومة عائدات هذه الضريبة بحوالي ملياري دولار، لكن هناك نقطة مهمة يقتضي الالتفات لها هي وجوب الموازنة بين مبدأ تأمين واردات لأي نفقة إضافية مع مبدأ الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والنقدي".
ويضيف: " في إحصاء سبق أن أجري في العام 2017 في وزارة المالية تبين أن 60% لا يدفعون الضريبة على القيمة المضافة مما يعني أن بإمكان الحكومة السعي إلى التصريح عن هذه المؤسسات المكتومة، وهذا الأمر إن تمت معالجته يمكن أن يدرّ على الخزينة حوالي ثلاثة اضعاف ما يمكن أن يعطيه الواحد في المائة".
ويقول خبير المخاطر المصرفية والباحث في الاقتصاد، محمد فحيلي، لـ" العربي الجديد"، إن زيادة أسعار البنزين تعني زيادة في كلفة النقل، وتوزيع الغذاء وفي كلفة كل سلعة مستوردة أو منتجة محلياً، وباعتبار أن اقتصاد لبنان يعتمد على الاستيراد، يعني ذلك، ارتفاع في كلفة النقل أو الطاقة ينعكس مباشرة على الأسعار".
ويضيف" أما رفع الضريبة على القيمة المضافة، فهو بطبيعته ضريبة تضخمية لأنها تفرض على الاستهلاك النهائي، أي أنها تصيب الغني والفقير معاً، لكنها تُرهق الفقير أكثر لأنه ينفق نسبة أكبر من دخله على الاستهلاك".
ويعتبر فحيلي أن هذه الزيادة أتت في مواسم الصيام، حيث يرتفع الاستهلاك الغذائي عادة، وتزداد الحساسية الاجتماعية تجاه الأسعار، معتبراً أن ذلك من شأنه أن يضغط على الأسر في أكثر لحظات السنة إنفاقاً.
ويشدد الباحث الاقتصادي على أن" الحل يكون في إعادة ترتيب الأولويات ضمن إطار إصلاحي واضح، بحيث يجب أولاً، ربط أي زيادة في الإنفاق بإصلاح إداري فعلي، إعادة توزيع الموظفين، إقفال المؤسسات غير المنتجة، رقمنة الإدارة، وقياس الأداء، حيث إن زيادة الرواتب من دون رفع الإنتاجية تعني ببساطة تضخماً أعلى".
كذلك، يمكن بحسب فحيلي توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك