مع تحول الاعتماد الوطني إلى مطلب إلزامي على المراكز الصحية والمستشفيات في البحرين، أصبح من الضروري لكل مؤسسة أن تنظر إليه كفرصة استراتيجية لتحسين جودة الرعاية الصحية، لا مجرد عبء إداري.
هذا التحول يعكس توجهًا وطنيًا واضحًا نحو رفع مستوى السلامة والجودة وتجربة المريض، ويضع المؤسسات أمام تحدٍ مهم: كيف يمكن تحويل المعايير إلى أداة يومية لتحسين الأداء وضمان استمرارية التطوير وسط ضغوطات العمل السريري؟الحصول على الاعتماد الوطني بحد ذاته يُعد إنجازًا، لأنه يتطلب جهودًا متكاملة والتزامًا مستمرًا من جميع أفراد المؤسسة، والمؤسسات التي تتبنى هذا الإنجاز بجدية تدرك أن الاعتماد ليس مجرد شهادة، بل دليل على كفاءة أنظمتها وقدرتها على تقديم خدمة آمنة وموثوقة، خصوصا المؤسسات الصغيرة والتي لا تمتلك الميزانية ووجود عدد محدود من الموظفين، وأن استكمال هذا الاعتماد يعتبر إنجازاً ليس قليلا.
ولكن الأهم من ذلك هو التركيز على الاستمرارية والتطوير الذاتي المستدام، فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي بالاستيفاء الأول للمعايير وتحقيق المتطلب الإلزامي، ثم التعامل معه كنقطة وصول نهائية، بل تنظر للاعتماد كمسار مستمر يتطلب مراجعة وتحديثا دائمين.
وفي هذا المسار، لا يقتصر الدور على التقييم فقط، بل يقوم على شراكة حقيقية بين المؤسسة والجهة المقيمة، تقوم على المتابعة، والإرشاد، وتوضيح المتطلبات، والإجابة عن الاستفسارات، وتقديم تغذية راجعة تساعد على تصحيح المسار وتحسين الأداء.
وبهذا التكامل، تتحول المعايير من متطلبات شكلية إلى نظام عمل حيّ، ويُقاس النجاح الحقيقي بمدى التحسن الفعلي مقارنة بما كانت عليه المؤسسة سابقًا، وبمستوى الحفاظ على سلامة المرضى وجودة الرعاية المقدمة.
ومن خلال التجارب والخبرات العملية، يتضح أن الفرق بين مؤسسة تجتاز الاعتماد ومؤسسة تحقق أثره الحقيقي يكمن في وجود قيادة واعية قادرة على ترجمة المعايير إلى ممارسة يومية مفهومة لدى الجميع، من الإدارة العليا إلى أصغر موظف في خط الخدمة.
المؤسسات التي تستثمر في تدريب فرقها، وتبسيط إجراءاتها، وتعزيز ثقافة الجودة، تجني الفائدة القصوى من الاعتماد، ويصبح أداؤها اليومي نموذجًا يُحتذى به في القطاع الصحي، بغض النظر عن المستوى التقييمي الذي تحققه.
في النهاية، الاعتماد الوطني للمؤسسات الصحية، إذا أُدرك جوهره بوعي حقيقي، لا يمثل مجرد التزام تنظيمي، بل فرصة ونقلة نوعية لإعادة هيكلة العمل الصحي بطريقة أكثر أمانًا واحترافية في المملكة.
والسؤال الأهم لكل مؤسسة اليوم ليس: كيف ننجح في التقييم؟ بل كيف نجعل الاعتماد جزءًا طبيعيًا من طريقة عملنا اليومية، يقودنا إلى تطوير مستدام يحافظ على سلامة المرضى ويرتقي بجودة الخدمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك