وسط أزيز الرصاص وتصاعد وتيرة الغلاء، أطلّ شهر رمضان هذا العام على السودانيين حاملاً مزيجاً من التحدي والسكينة، في عام رابع للحرب لم تهدأ فيه الجبهات ولا الأسواق.
لكن رغم قسوة الظروف، تبدو مظاهر الشهر الفضيل كأنها إعلان جماعي عن تمسّك الناس بإيقاع الحياة، لا سيما في أم درمان، حيث تتوهج الفوانيس على استحياء، وتعود الموائد الرمضانية الجماعية إلى الشوارع الرئيسية، وإلى الساحات والميادين داخل وخارج الأحياء السكنية، ولو بإمكانات محدودة.
ولا يقتصر هذا الحضور على الطقوس الرمزية فحسب، بل يمتد إلى حركة الأسواق التي تشهد انتعاشاً نسبياً، وفق ما أفاد تجار ومواطنون ل" العربية.
نت/الحدث.
نت".
فالبضائع المرتبطة بالشهر الكريم، من أدوات الضيافة ومستلزمات المطبخ إلى المشروبات الشعبية وأدوات الزينة، عادت لتملأ الواجهات.
فيما تدفقت كميات من السلع عبر المعابر والأسواق الرئيسية بالعاصمة وبقية المدن، في مشهد لم يكن متوقعاً بهذه السرعة قياساً بحجم الأضرار التي لحقت بالمدن خلال الأعوام الماضية.
هذا ويحتل مشروب" الحلو مُر" مكانة عظيمة في نفوس السودانيين، ويُعدّ أحد أهم وأشهر المشروبات على مائدة الإفطار السودانية عبر العصور.
غير أنّ هذا المشروب الرمضاني الأشهر والأحب لدى كثيرين انزوى بعيداً العامين الماضيين في أجزاء واسعة، بفعل النزاع المسلح وارتفاع تكلفته وصعوبة الحصول على مكوناته أحياناً، وإن ظلّ حضوره رمزياً في أجزاء أخرى، بوصفه جزءاً أصيلاً من الذاكرة الرمضانية.
وفي مفارقة غريبة، يعود رمضان هذا العام إلى السودان بمذاق حلو ومر في آن واحد؛ فهو حلو بمظاهر الشهر الفضيل والطقوس الرمضانية التي تعود إلى الشوارع، ومرّ بفعل الحرب والغلاء الذي يثقل كاهل المواطنين.
مع ذلك، فإن تصاعد أبخرة دخان صناعة" الحلو مُر" في بعض الأحياء السكنية بالعاصمة والولايات شكلت إيذاناً بعودة واحدة من أشهر الطقوس الرمضانية في البلاد، حيث ترتبط رائحته لدى كثيرين ببداية العد التنازلي للشهر الكريم.
وفي مدينة أم درمان، التي تحولت إلى عاصمة اقتصادية في سنوات الحرب، وصف متابعون عودة الحركة التجارية بأنها" ملحوظة"، إذ استعادت الأسواق قدراً كبيراً من زحامها المعتاد، وتزايد الإقبال على شراء مستلزمات رمضان، من السكر والمواد الغذائية إلى مستلزمات الصوم الرمضاني.
وذكر تاجر بسوق أم درمان ل" العربية.
نت" أنه لاحظ أثناء وجوده في إحدى نقاط العبور إلى العاصمة تدفق كميات كبيرة من المفروشات الرمضانية والأواني المنزلية، خصوصاً أقداح الشاي والقهوة، التي تُستخدم بكثرة خلال الشهر، لكون الشاي والقهوة من المشروبات الأساسية التي تعدّل الكيف والمزاج لدى السودانيين في الفترات الممتدة بين الإفطار والإمساك".
فيما قدّر البعض، أن المظاهر القديمة، داخل الأسواق، عادت بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهي نسبة، وإن كانت لا تعكس عودة كاملة إلى ما قبل الحرب، فإنها تشير إلى رغبة واضحة في استعادة الإيقاع اليومي للحياة، على الرغم من الغلاء والتحديات الاقتصادية التي فرضها التضخم المستمر.
في هذا السياق، يقال عمر عثمان، من مواطني أم درمان، ل" العربية.
نت"، إن" المظاهر الرمضانية عادت بالفعل"، مشيراً إلى أن رائحة مشروب" الآبري" — المعروف شعبياً باسم" الحلو مُر" — بدأت تفوح مجدداً في الأحياء.
كما أشار إلى أن الأسواق تشهد حالة من الانتعاش، وإن لم تصل بعد إلى مستوى الاكتظاظ الذي كان سائداً قبل اندلاع الحرب، لكنها على حد وصفه" لافتة للانتباه".
إلى ذلك، أكد أحد المواطنين أن غالبية الأسر بدأت في شراء الأواني المنزلية والأجهزة الكهربائية، إضافة إلى معدات الطاقة الشمسية، استعداداً لمتطلبات الشهر الكريم في ظل الانقطاعات المتكررة للكهرباء.
كما أوضح مواطنون أن هناك مؤشرات أخرى على عودة مظاهر الحياة اليومية المرتبطة برمضان.
فيما أشارت ربات المنازل إلى توافر مكونات التوابل ومستلزمات المشروبات الرمضانية، بكلفة معقولة نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، فضلاً عن نشاط ملحوظ في بيع الخضروات والسلع الأساسية، مع تفاوت في الأسعار بين بائع وآخر، ما أتاح قدراً من الخيارات أمام الأسر لتقليل أعباء الشراء.
كذلك عادت الطواحين الصغيرة للعمل في عدد من المناطق، الأمر الذي أسهم في توفير الدقيق اللازم لصنع المأكولات التقليدية على المائدة الرمضانية.
وأكد المواطنون أن حركة البيع والشراء، وإن شابها الغلاء أحياناً، تعكس عودة تدريجية لنبض الحياة في الأسواق والأحياء، رغم عبء التضخم وغلاء الأسعار.
هكذا يبدو رمضان في السودان هذا العام كأنه يخوض معركته الخاصة؛ معركة استعادة الحد الأدنى من الطمأنينة، وإعادة إشعال مصابيح الأمل في شوارع أنهكتها الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك