أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، بوصفها وثيقة تنظّم الممارسة الصحفية وتضع معايير مهنية وأخلاقية للعمل الإعلامي في سوريا.
وقد قدّمت الوزارة المدونة باعتبارها استجابة لحاجة داخل القطاع لضبط الأداء الإعلامي في ظل تصاعد الفوضى الرقمية، وانتشار التضليل وخطاب الكراهية عبر المنصات المختلفة.
لكن إطلاقها لم يُستقبل بوصفه خطوة تنظيمية تقنية فحسب، بل أثار نقاشاً مهنياً وحقوقياً حول طبيعتها وحدودها.
فبين من يرى فيها ضرورة لضبط الخطاب الإعلامي وحماية السلم الأهلي، ومن يطرح تساؤلات حول آلية إصدارها والجهة التي تبنّتها وإمكان تأويل بعض بنودها عند التطبيق، برز سؤال أساسي: هل تمثل المدونة إطاراً ذاتياً لتنظيم المهنة، أم تفتح نقاشاً أوسع حولحدود حرية التعبير في هذه المرحلة؟آلية الإصدار: التزام ذاتي أم تدخل تنظيمي؟يبدأ الجدل من نقطة جوهرية لا تتعلق بالمضمون، بل بالآلية.
فمدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، قال لموقع تلفزيون سوريا إن مدونات السلوك" عادةً هي التزام ذاتي"، مشيراً إلى أن المدونة السورية جاءت" أكثر تفصيلية وأكثر شمولية" بحكم السياق المحلي.
ووفقاً له، يمكن لأي مؤسسة إعلامية تمتلك مدونة خاصة بها ومتوافقة بالكامل مع مدونة الوزارة أن تعتمدها، إلا أنه" عند النزاعات سوف تكون المدونة التي تبنتها الوزارة هي الوثيقة الاسترشادية لحل الخلاف".
وأوضح أن لجنة التراخيص سيكون لها دور في تقييم مدى تطابق مدونات المؤسسات مع المعايير المهنية والأخلاقية المعتمدة، مضيفاً أن عدم تقدم أي مؤسسة إعلامية بمدونة خاصة حتى الآن كان أحد الأسباب التي دفعت الوزارة إلى تبني المدونة التفصيلية.
من جانبها، تؤكد رهام القطريب لموقع تلفزيون سوريا، وهي إعلامية ممن شاركن في كتابة المدونة، أن المدونة" تنظيم ذاتي ينبع من الجسم الصحفي نفسه"، مشددة على أن دور الوزارة كان" لوجستياً فقط"، وأن النص خضع لمراجعات متعددة بمشاركة صحفيين من مناطق مختلفة داخل سوريا.
وترى أن ضمان عدم تحوّل المدونة إلى أداة تقييد يرتبط بالفصل بين الأخلاقيات والقانون، معتبرة أن" الأخلاقيات تنظّم السلوك المهني، أما القانون فيعالج الجرائم، وخلط الاثنين هو ما يحوّل المدونة إلى أداة تقييد".
كما تدعو إلى حوكمة تشاركية ومراجعة دورية للنص بمشاركة صحفيين مستقلين وأكاديميين، حتى لا يحتكر تفسيره طرف واحد.
في المقابل، يرى الحقوقي ياسر شالتي أن الإشكال يبدأ من طريقة الإصدار ذاتها، لا من مضمون البنود.
ويقول إن" إصدارها بهذه الآلية غير صحيح" من منظور قانوني بحت، مستنداً إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن" لكل شخص حرية الرأي والتعبير وحق اعتناق أي فكرة دون تدخل ونقلها بأي وسيلة"، ومعتبراً أن" أي تدخل تنفيذي في تنظيم السلوك الإعلامي يعد نوعاً من أنواع التدخل".
كما أشار إلى المادة 13 من الإعلان الدستوري التي تضمن حرية التعبير وتمارس وفق القانون الذي ينظمها، معتبراً أن تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المدونة قد يُقرأ بوصفه تغوّلاً على مبدأ فصل السلطات.
وبين الطرحين، يتبلور سؤال مركزي: إذا كانت مدونات السلوك بطبيعتها التزاماً ذاتياً، فإلى أي مدى يمكن أن تبقى كذلك حين تُطلق تحت مظلة جهة تنفيذية، وتُحال النزاعات فيها إلى آليات مرتبطة بها؟مضمون المدونة: معايير مهنية في نص موسّع.
تضع المدونة إطاراً واسعاً من المبادئ التي تنظّم العمل الإعلامي، في مقدمتها حماية السلم الأهلي، وتعريف خطاب الكراهية، ومناهضة التحريض والتمييز، إضافة إلى حماية النساء والفئات الهشة من التنميط أو التشهير.
كما توسّع نطاقها ليشمل، إلى جانب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، صنّاع المحتوى والمؤثرين، في إشارة إلى التحول الذي يشهده المشهد الإعلامي وتداخل الأدوار بين العمل الصحفي التقليدي والمنصات الرقمية.
علي عيد، رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، يؤكد أن النص" يضع معايير أخلاقية ومهنية للممارسات الصحفية"، ويشير إلى أن المدونة تتضمن قسماً واسعاً حول مهددات السلم الأهلي، مدعوماً بأمثلة ومعايير مستندة إلى نماذج دولية، بهدف ضبط الخطاب الإعلامي ضمن حدود واضحة.
ولا يتوقف حديث عيد عند النص ذاته، بل يمتد إلى آلية التطبيق، إذ يشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكيل لجنة لتقييم المخالفات، يمكن أن تكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي، مؤكداً أن الحكومة" ليست ذاهبة لتكون المسؤول الأول والأخير عن التقييم".
كما يتوقع إنشاء لجنة شكاوى وآلية تقاضٍ واضحة للنظر في الاعتراضات، ما يعني أن المدونة، وفق هذا الطرح، لا تقتصر على وضع مبادئ عامة، بل تسعى إلى استكمال بنية مؤسسية لمتابعة الالتزام بها.
من جهتها، تقول الإعلامية رهام القطريب إن الهدف الأساسي منها هو" ترسيخ نزاهة المهنة ووضع قواعد واضحة للعمل الصحفي، مثل الدقة والاستقلالية والمساءلة واحترام كرامة الناس"، إضافة إلى" تعزيز ثقة الجمهور بالإعلام وحفظ حقه بالمعلومة الدقيقة، وصون كرامة الإنسان وحماية الحريات والصحفيين أنفسهم".
وتوضح القطريب أن المدونة جاءت لسد" فراغ" نشأ في المشهد الإعلامي السوري خلال السنوات الماضية، حيث شهد القطاع، بحسب وصفها، " تسييساً حاداً وفقداناً للاستقلال التحريري، وضعفاً في أنظمة التحرير وآليات التحقق، وغياباً للمساءلة، وانتشاراً لخطاب الكراهية والتضليل"، ما خلق فجوة ثقة واسعة بين الجمهور ووسائل الإعلام.
وتضيف أن المدونة تسعى إلى توحيد حد أدنى من المعايير بين المؤسسات، وخلق مرجعية أخلاقية مشتركة بدل الاجتهادات الفردية، وتأسيس ثقافة تصحيح ومساءلة داخلية، مشيرة إلى أن مثل هذه المدونات معمول بها في مؤسسات دولية كبرى، وتُستخدم كأداة عملية لإدارة المخاطر وبناء ثقة طويلة الأمد.
غير أن اتساع نطاق المبادئ، وشمولها فئات متعددة خارج الإطار الصحفي التقليدي، يفتح بدوره نقاشاً حول كيفية تفسير هذه المعايير عند التطبيق، ومن سيملك الكلمة الفصل في تقدير حدود الالتزام بها.
السلم الأهلي وخطاب الكراهية وحدود النقد.
يحضر مفهوم" السلم الأهلي" بشكل متكرر في المدونة، ويشكّل أحد محاورها المركزية، إلى جانب تعريف خطاب الكراهية وحدود التحريض.
وقد انصبّ جزء من النقاش المهني والقانوني على كيفية تفسير هذا المفهوم عند التطبيق، والعلاقة بينه وبين حرية النقد الصحفي.
الحقوقي ياسر شالتي ينطلق من قاعدة قانونية يعتبرها الإطار الحاكم لهذا النقاش، إذ يقول إن" الأصل في القانون هو حرية التعبير، وأي قيد عليها هو الاستثناء"، مستشهداً بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويرى أن النقد بطبيعته" هو دائماً لفعل ارتُكب"، ولا يمكن اعتباره تهديداً للسلم الأهلي لأنه" ليس فعلاً قائماً بذاته، بل هو رد على فكرة أو فعل".
كما يحذّر من أن" أخطر أنواع الانتهاكات تستند على مصطلحات قانونية فضفاضة"، مشيراً إلى مفاهيم مثل" حماية السلم الأهلي" أو" المصلحة العامة"، التي تحتاج، برأيه، إلى تعريف دقيق يحدد الفعل المادي بشكل واضح، حتى لا تُستخدم سياسياً أو تُفسَّر بشكل واسع.
في المقابل، يؤكد علي عيد أن المدونة تضع تفسيرات للفصل بين خطاب الكراهية والنقد السياسي، مشيراً إلى وجود نصوص تشرح كيفية التمييز بين التحريض والمحتوى الذي يخدم المصلحة العامة أو النقد المباشر، مع إمكانية إصدار أدلة إرشادية إضافية لتوضيح ذلك عند التطبيق.
أما الصحفية نادين جبور، فترى أن التعريفات المتعلقة بخطاب الكراهية والسلم الأهلي" في المجمل واضحة ومبنية على معايير دولية"، لكنها تربط الحكم النهائي بآلية التنفيذ، مؤكدة أن نجاح المدونة مرهون" بضمان ألا تتحول إلى أداة للتقييد".
تمثيل الصحفيين في صياغة المدونة.
تطرّق النقاش حول المدونة أيضاً إلى آلية إشراك الصحفيين في إعدادها، ومدى تمثيل مختلف التيارات المهنية داخل عملية الصياغة.
الصحفية جبور قالت إنها كانت تتمنى معرفة من شارك من الصحفيين في وضع المدونة، مشيرة إلى أن" معظم من حولي لم يُدعوا لمناقشة ما تم الاتفاق عليه"، ومعتبرة أن الدعوة عبر معارف اللجنة، إن حدثت، " يعد إقصاء".
ووفق هذا الطرح، فإن اتساع المشاركة وشفافيتها يشكلان جزءاً من شرعية أي وثيقة مهنية يُفترض أن تنظّم قطاعاً كاملاً.
أما وهاج عزام، مدير منصة" الدليل"، فانتقد مسار الإطلاق من زاوية مختلفة، معتبراً أن مشاركة بعض صناع المحتوى الذين سبق أن وُجهت إليهم اتهامات بالتحريض أو الترويج لخطاب طائفي" يفقد المدونة قيمتها بالكامل".
وأضاف أن الخطوة الأولى لتنظيم العمل الإعلامي، برأيه، يجب أن تبدأ بمحاسبة المنابر التحريضية ومنعها من ممارسة النشاط الإعلامي، لا إشراكها في صياغة الإطار الناظم له.
وطالب بإلغاء المدونة الحالية وإطلاق مسار جديد يستند إلى إجماع أوسع للصحفيين السوريين.
في هذا السياق، ينتقل السؤال من مضمون البنود إلى شرعية العملية نفسها: هل يكفي أن يكون النص متوافقاً مع معايير مهنية، أم أن طريقة تشكيل اللجنة المشاركة في صياغته تُعد جزءاً من معايير مشروعيته؟يتحوّل النقاش من النصوص إلى التطبيق عند الحديث عن آلية التنفيذ والمساءلة.
فبحسب عمر حاج أحمد، ستكون المدونة مرجعية استرشادية في حال النزاعات، مع دور للجنة التراخيص في تقييم مدى التزام المؤسسات بالمعايير المهنية والأخلاقية الواردة فيها.
وبذلك، تُقدَّم المدونة بوصفها إطاراً يُحتكم إليه عند وجود خلافات، لا بديلاً عن القوانين النافذة.
من جهته، أشار علي عيد إلى أن المرحلة المقبلة قد تتضمن تشكيل لجنة مختصة بتقييم المخالفات والنظر في الشكاوى، موضحاً أن هذه اللجنة ستكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي، في إشارة إلى أن البنية التنفيذية للمدونة لم تكتمل بعد، وأن تفاصيل آلية المساءلة ما تزال في طور التشكيل.
في المقابل، يرى الحقوقي ياسر شالتي أن أي تدخل تنفيذي مباشر في عملية التقييم قد يثير إشكاليات قانونية، مشدداً على أن تنظيم أخلاقيات المهنة، وفق توصيات الأمم المتحدة، ينبغي أن يكون ذاتياً.
ومن هذا المنظور، فإن طبيعة الجهة التي ستتولى التقييم، ومدى استقلالها، تمثلان جزءاً أساسياً من النقاش، لا تفصيلاً إجرائياً.
وبين الطرحين، تتقاطع مسألتان: هل تبقى المدونة إطاراً مهنياً استرشادياً، أم أن طريقة تطبيقها قد تمنحها أثراً تنظيمياً يتجاوز حدود الإرشاد؟اختبار التطبيق بين النص والسلطة.
لا يكشف الجدل الدائر حول المدونة انقساماً حول ضرورة وجود معايير مهنية، بقدر ما يكشف اختلافاً حول من يملك سلطة تعريف هذه المعايير وتفسيرها.
المسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بحماية السلم الأهلي أو الفئات الهشة أو بمواجهة خطاب الكراهية، بل بكيفية الموازنة بين ذلك وبين الأصل الذي يستند إليه العمل الصحفي: حرية التعبير والنقد.
وعليه، فإن مستقبل المدونة لن يتحدد في صفحاتها المكتوبة، بل في طريقة تفعيلها، وطبيعة الجهة التي ستتولى تقييم الالتزام بها، وقدرتها على البقاء إطاراً مهنياً يحمي العمل الصحفي من الانزلاق نحو التحريض، من دون أن يتحول إلى أداة لإعادة رسم حدوده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك