لا تبدو زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز للهند حدثاً بروتوكولياً عادياً، ولا مجرد مشاركة في قمة حول الذكاء الاصطناعي.
فالرجل الذي وصل، صباح اليوم الأربعاء، إلى نيودلهي، في زيارة هي الثانية خلال أقل من عام ونصف، على رأس وفد وزاري واقتصادي يضم وزيري التحول الرقمي والزراعة وممثلين عن شركات تكنولوجية ناشئة، ويستعد لزيارة الصين في إبريل/ نيسان المقبل، يبدو أنه يرسم ملامح توجّه إسباني - أوروبي جديد، نحو تنويع الشراكات في زمن الاضطراب الأطلسي.
في الشكل، يشارك سانشيز في قمة" تأثير الذكاء الاصطناعي"، إلى جانب قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.
وفي المضمون، يسعى لتثبيت صورة إسبانيا بوصفها طرفاً فاعلاً في النقاش العالمي حول حوكمة التكنولوجيا، والدفاع عن نموذج" إنساني" للذكاء الاصطناعي يضع الحقوق والحريات في قلب المعادلة.
لكن ما وراء القمة يتصل بتحولات أعمق، إذ تتحرك مدريد في لحظة تشهد فيها أوروبا توتراً متزايداً مع الولايات المتحدة، سواء بسبب النزعات الحمائية في السياسة التجارية الأميركية، أو بسبب الخلافات حول تنظيم شركات التكنولوجيا العملاقة، أو حتى في ما يتعلق بأولويات الأمن والدفاع.
خطاب سانشيز المنتقد لما يسميها" الأوليغارشيات الرقمية" المرتبطة مباشرةً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس معزولاً عن هذا السياق، وينسجم مع مسعى أوروبي لتعزيز" السيادة الرقمية" وتقليص الارتهان للمنصات الأميركية.
وتأتي زيارة نيودلهي أيضاً بعد إبرام اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والهند، وهو اتفاق دافعت عنه مدريد بقوة.
فالهند تمثّل اليوم أحد أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وسوقاً ضخمة للتكنولوجيا والاستثمار والصناعات الدفاعية.
اللقاء المرتقب بين سانشيز ورئيس الوزراء ناريندرا مودي.
اليوم يتجاوز ملفات الذكاء الاصطناعي ليشمل تعميق التعاون الصناعي، كما حدث في زيارة 2024 حين دُشِّن مصنع مشترك بين" إيرباص" و" تاتا".
وتبدو إسبانيا اليوم، التي ظل حضورها في آسيا محدوداً مقارنة بألمانيا أو فرنسا، في طور تصحيح هذا الخلل، حيث إن التبادل التجاري مع الهند ما زال دون إمكاناته، والميزان يميل لمصلحة نيودلهي، ما يدفع مدريد إلى البحث عن استثمارات جديدة وفتح أسواق أمام قطاعات مثل الزراعة والطاقة المتجددة والسياحة.
أما الزيارة المرتقبة لبكين، فتكتسب دلالة أكبر.
ففي وقت تتشدد فيه واشنطن تجاه الصين، وتضغط على حلفائها الأوروبيين لتقليص انكشافهم الاقتصادي عليها، تختار مدريد، مثل عواصم أوروبية أخرى، نهجاً أكثر براغماتية: الحفاظ على التحالف الأطلسي، من دون إغلاق الباب أمام ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وهذا التوازن ليس سهلاً، في ضوء أن الصين شريك تجاري أساسي للاتحاد الأوروبي، لكنها أيضاً منافس استراتيجي.
وبين ضغوط واشنطن ومصالح الشركات الأوروبية، تحاول الحكومات، ومنها إسبانيا، صياغة سياسة تقوم على" تقليل المخاطر" بدلاً من" فك الارتباط".
ما تقوم به مدريد لا يمكن فصله عن نقاش أوروبي أوسع حول الاستقلالية الاستراتيجية.
فالحرب في أوكرانيا، وأزمات سلاسل التوريد، وتصاعد الاستقطاب في السياسة الأميركية، دفعت بروكسل إلى التفكير في تنويع الشركاء وتعزيز الروابط مع" الجنوب العالمي".
وفي هذا السياق، تمثل الهند شريكاً ديمقراطياً صاعداً، بينما تظل الصين رقماً صعباً لا يمكن تجاهله.
وترى إسبانيا، التي تسعى للعب دور أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، في الانفتاح على آسيا فرصة لتعزيز وزنها الدولي، مستفيدة من علاقات أقل توتراً تاريخياً مع بكين، ومن هامش حركة أوسع مقارنة بدول أكثر التصاقاً بالمحور الأطلسي.
في المحصلة، لا تختزل زيارة سانشيز للهند في قمة تكنولوجية، ولا في أرقام التجارة والسياحة.
إنها جزء من إعادة رسم لموقع إسبانيا في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، حيث لم يعد الرهان على محور واحد كافياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك