مؤتمر ميونيخ للأمن كان مناسبة في هذه الدورة لأخذ العلم من أميركا بأن النظام القديم انتهى والنظام الجديد في المخاض.
وهذا يعيد التذكير بمقولة أنطونيو غرامشي الشهيرة: " القديم يموت والجديد لم يولد بعد، وفي هذه المرحلة نشهد كلّ أنواع الشرور".
لكن الواقع أن العالم الجديد هو عالم القرن التاسع عشر مع تكنولوجيا وذكاء اصطناعي وصواريخ ومسيّرات، بما يسهل على الكبار توسيع الجغرافيا على حساب الصغار، والاستحواذ على المعادن والنفط والغاز، وممارسة القمع والقتل.
وإذا كان الشرق الأقصى مسرح اللعبة الكبيرة بين أميرکا والصين وروسيا، فإن الشرق الأوسط لا يزال مسرحًا مهمًا في اللعبة الإقليمية والدولية.
وما على النار اليوم بين القديم والجديد، بعد هدنة غزة، هو موضوع إيران حيث الصراع بين مشروعين: مشروع إقليمي إيراني له أذرع في العالم العربي، ومشروع أميرکي، لإسرائیل دور فيه، ولتركيا وبعض الدول العربية مواقع فيه ومواقف منه.
المشروع الإيراني من عالم قديم جدًا.
لكن المشروع الأميركي الذي عنوانه سلام ودونالد ترامب الشرق الأوسط هو عودة إلى القديم في ثوب جديد.
والصّراع عمليًا صراع بين قديمين: واحد نقله الإمام الخميني من الكتب والتاريخ إلى الواقع، متصوّرًا أن الفرصة مفتوحة لإقامة" ولاية الفقيه" ونشر الثورة من خلال الحرس الثوري والأذرع الأيديولوجية المذهبية المرتبطة به في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغزة، على الرغم من وجود أكثرية في المنطقة ضد المشروع بشكل تلقائي.
وآخر يقفز فيه ترامب من فوق التضاريس السياسية والوطنية في العالم العربي، ويندفع به بنيامين نتنياهو نحو" إسرائيل الكبرى" على حساب" إیران الكبرى" و" تركيا العظمى".
وليس من السّهل التوصّل إلى حلّ وسط بين المشروعين في التفاوض الذي تقود إليه الحرب المحتملة بينهما والمرشحة لأن تكون" إقليمية" كما يهدّد المرشد الأعلى علي خامنئي.
ذلك أن طهران تراهن، ومعها أذرعها بالطبع، على صفقة محدودة أو حرب محدودة.
صفقة حول البرنامج النووي من دون أي بحث في البرنامج الصاروخي ومصير الأذرع: تخرج منها رابحة وتحافظ على مصادر قوّتها كما على أذرعها المسلّحة في اليمن والعراق ولبنان وغزة.
وحرب يتمّ فيها تبادل ضربات عسكرية تؤلم إیران وأميركا وإسرائیل، تؤدي إلى تقوية الجمهورية الإسلامية القادرة على تحمّل الأذى أكثر من أميركا وإسرائيل، وبالتالي إلى إعلان" نصر إلهي" يعيد زخم التمدّد إلى المشروع الإقليمي الإيراني، ويكرّس احتفاظ الأذرع بالسلاح والهيمنة.
وعلى العكس، فإن واشنطن تراهن على الربح في صفقة كبيرة أو في حرب كبيرة.
فالصفقة الكبيرة تجرّد إيران من برنامجها النووي وتحدّ من قدرتها الصاروخية وتسحب أسلحة" حزب اللّه والحشد الشعبي والحوثيين وحماس والجهاد الإسلامي"، وبالتالي تكرّس إضعاف طهران إلى الحدّ الأقصى بما يجعل إسقاط النظام سهلًا من الداخل.
والحرب الكبيرة تنهي أسلحة الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي والأذرع الأيديولوجية المسلّحة وبالتالي تنهي النظام بعد 47 سنة من سقوط الشاه.
والسؤال هو: أي الرهانين هو الأقرب إلى التحقق؟ والأجوبة متناقضة بالطبع.
لكن من الصعب ألا تخسر إيران وأذرعها في أية صفقة كبيرة أو حرب کبيرة، وسط مسارعة ترامب إلى إعلان النصر حتى في ما هو أقل منه.
ومن الصعب أيضًا ألا تعلن طهران الربح في أية صفقة محدودة أو حرب محدودة.
والأصعب هو أن تستطيع الحفاظ على ما بقي لها وللأذرع التي تقاتل معها.
ولعلّ ما ينطبق على الطرفين هو قول المعلّق الأميركي الكبير والتر ليبمان في كتاب" الرأي العام 1924": " نحن لا نرى أولًا ونحدّد ثانيًا بل نحدّد أولًا ونرى ثانيًا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك