في الأجواء الروحانية لشهر رمضان المبارك، وبين الأدعية والابتهالات الدينية، لم يكن الفن المصرى غائباً.
قبل الشهر بأيام، يصدح صوت محمد عبدالمطلب معلناً بصوت يدخل القلوب «رمضان جانا»، ولا يتخلف عن الركب عبدالعزيز محمود، مرحباً بشهر الصوم، ولا ينسى محمد فوزى مطرب الحب والعواطف أن يكون في جوقة فنانى الشهر الكريم، وتظل أغنية الثلاثى المرح «سبحة رمضان» من أيقونات الترحيب برمضان، وحتى فنان الكوميديا والمونولوج إسماعيل يس، غنى للشهر «الحاج أمين، الحاج رضوان».
رمضان في مصر لا يدخل البيوت من الأبواب وحدها، بل من النوافذ والسطوح وأصوات الشوارع، ومن جهاز الراديو العتيق الذى ظل لعقود طويلة رسول الفرح إلى القلوب.
قبل أن يرى الهلال في السماء، الناس يرونه في نبرة مطرب يصدح: «رمضان جانا وفرحنا به».
هكذا ارتبطت بدايات الشهر عند أجيال كاملة بصوت محمد عبدالمطلب، حتى صار الإعلان الفلكى أقل تأثيراً من تلك اللازمة الموسيقية التى كانت تفتح أبواب الذاكرة كما تفتح أبواب المساجد.
الأغنية الرمضانية في مصر أكثر من مجرد طقس فنى، هى إعلان وجدانى ببدء حالة روحية عامة.
حين يغنى عبدالعزيز محمود «مرحب شهر الصوم مرحب» لا يبدو الصوت وكأنه صادر من استوديو تسجيل، بل من قلب الحارة نفسها.
الأطفال يجرون خلف الفوانيس، والباعة يزيّنون دكاكينهم، وربات البيوت يسرعن لإعداد أول مائدة إفطار.
في صوت محمد فوزى وهو يغنى «هاتوا الفوانيس يا ولاد» تتجسد صورة القاهرة ليلاً، حين يتحول الشارع إلى احتفال دائم، وتغدو الإضاءة البسيطة للفانوس أبلغ من أفخم الزينات.
أما «وحوى يا وحوى إياحة» بصوت أحمد عبدالقادر، فتبدو كأنها تعويذة قديمة تحفظها الذاكرة الشعبية، لا يعرف الناس معناها الدقيق لكنهم يعرفون أثرها، إذ ما إن تسمع حتى يشعر السامع أن الشهر الكريم صار حقيقة ملموسة.
بعدها، يطل الثلاثى المرح بأغنية «أهو جه يا ولاد» ليمنح رمضان روح الطفولة، فالأغنية لا تغنى فقط بل تلعب، يقفز الأطفال معها ويطرقون الأبواب طلباً للحلوى، فتتحول الموسيقى إلى فعل اجتماعى يومى.
على امتداد ثلاثين ليلة، كان صوت سيد مكاوى في «المسحراتى» ينساب قبيل الفجر، كأنه حارس الحلم المصرى.
كلمات فؤاد حداد لا توقظ النائمين فقط، بل توقظ المعانى أيضاً، تذكرهم بالبساطة والرضا والستر.
كان المستمع يفتح عينيه قبل السحور بلحظات، فيشعر أن المدينة كلها تستيقظ معه، وأن الصوم ليس عزلة بل مشاركة جماعية في تجربة روحية واحدة.
الفن الرمضانى المصرى لم يقدم الوعظ المباشر، بل قدم الطمأنينة.
علم الناس أن الروحانية ليست انقطاعاً عن الحياة بل عودة إلى بساطتها الأولى: ضحكة مشتركة، طبق شوربة ساخن، أو أغنية تُسمع من شرفة بعيدة.
لذلك بقيت تلك الأعمال حية رغم تغير الأزمنة والوسائط، لأنها لم تكن مجرد إنتاج فنى بل جزء من التجربة اليومية للمجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك