يحل شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة، وأحوال السكان تتجه إلى الأسوأ، فيما الأزمات الإنسانية مرشحة للزيادة، حيث تخشى الأسر التي تعاني من ويلات الحرب، من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، في ظل شح “غاز الطهي” الذي يصعب مهام تجهيز طعام الصائمين.
وفي غزة وبسبب القيود الإسرائيلية على المعابر والتحكم في إدخال عدد قليل من شاحنات المساعدات والبضائع، لا تزل أزمة السلع قائمة في القطاع، حيث يشتكي المواطنون في هذه الأيام التي تسبق حلول شهر رمضان، من ارتفاع ملحوظ على بعض أسعار المواد الأساسية في غزة مثل الطحين والسكر والأرز وزيت الطهي.
وأبدى مواطنون في تصريحات لـ”القدس العربي” خشيتهم من اشتداد الأزمة بشكل أخطر في قادم الأيام، وتحديدا في الأيام الأولى للشهر.
وقالت عبير الشاعر، وهي سيدة في العقد الرابع وربّة أسرة مكونة من خمسة أفراد تقيم في وسط قطاع غزة: “بالكاد نستطيع شراء احتياجاتنا بشكل يومي، ولا يستطيع أحد أن يخزن طعاما”، وترجع الأمر لعدة أسباب، أولها عدم توفر الأموال اللازمة لشراء السلع، وارتفاع الأثمان، وبسبب عدم وجود كهرباء تحفظ الأطعمة في الثلاجات.
وأكدت عبير أن هناك العديد من الأصناف الغذائية إما غائبة عن أسواق غزة، أو أن الحصول عليها صعب بسبب ارتفاع الثمن، وفي مقدمتها اللحوم.
وأشارت إلى أن الكثير من مستلزمات الطعام تجبر العوائل بسبب الظروف التي خلقتها الحرب أن تشتريها بشكل يومي، وبكميات قليلة جدا، وأبدت خشيتها من ارتفاع جنوني بشكل أكبر على الأسعار مع بداية الشهر الفضيل.
وتغيب أجواء بهجة شهر رمضان هذا العام كالعامين الماضيين عن قطاع غزة، ولم تعد الاستعدادات لهذا الشهر بسبب ظروف الحرب تشبه ما كانت عليه سابقا، إذ لم تعد هناك أسرة في غزة، إلا وفقدت أحد أفرادها أو أحد الأقارب من الدرجة الأولى، فيما هناك عشرات آلاف المصابين يعانون في رحلات العلاج، وأكثر من مليون مواطن يعيشون في خيام النزوح، بعد أن تدمرت منازلهم.
وكانت أغلب عوائل غزة تهتم بتزيين منازلها والشوارع بحلة الشهر الفضيل، وبسبب الظروف الصعبة، اضطر بعض السكان لصنع فوانيس الزينة من صناديق الكرتون الذي توزع بداخلها المساعدات الغذائية، وأخرى صنعت حبال الزينة من الورق.
وقامت عوائل برسم فانوس رمضان، وكتبت عبارة “رمضان كريم” بألوان زاهية، على ركام منازلها المدمرة، فيما اهتمت عوائل نازحة برسم فانون رمضان على خيمة النزوح، ونفذت مؤسسة محلية أهلية مبادرة قامت خلالها برسم هلال رمضان وفوانيس الزينة وعبارات الترحيب بالشهر الفضيل، على خيام النازحين في أحد المخيمات بمدينة غزة.
وتقول عبير إنها صنعت فانوسا من الورق المقوى “الكرتون”، وغلفته بقطعة من القماش المزركش، وعلقته في بينها الذي طاله دمار القصف والغارات، لإسعاد أسرتها بمن فيهم الأطفال، وقالت إنها لم تستطع أن تشتري فانوسا من تلك المصنوعة بشكل احترافي، لارتفاع أثمانهن بشكل جنوني، وهو ما حرم أطفال أسرتها اللعب بتلك الفوانيس المضيئة.
وقال محمد محفوظ من مدينة غزة لـ”القدس العربي”: “هناك الكثير من السلع لا زال ثمنها مرتفعا بما يفوق 500%”، وتابع: “الأوضاع لا تزال صعبة، ورمضان يهل من جديد للمرة الثالثة منذ بدء الحرب، والأوضاع لم تتغير كثيرا”.
وأشار هذا الرجل الذي يقطن مدينة غزة، إلى أن نمط الحياة صعب جدا رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وقال: “صحيح العمليات البرية والتوغل والقصف على مدار الساعة توقف، لكن ما نزال نسمع يوميا أصوات قصف وتدمير في شرق غزة، وفي مرات كثيرة نسمع أصوات غارات قريبة”.
وقال: “سمعنا عن إدخال مساعدات كبيرة في التهدئة، كانت مجرد كلام، الأمور لم تتغير كثيرا”، وقد أشار إلى مشكلة كبيرة ستواجه السكان مع بداية الشهر، وهي أزمة تجهيز الطعام في أوقات السحور والإفطار، في ظل النقص الحاد في غاز الطهي، ما سيجبر العوائل على الاستمرار في استخدام وسائل الطهي البدائية والمتمثلة في مواقد النار.
وفي غزة توزع الجهات المختصة كميات الغاز القليلة على المواطنين حسب كشوفات معدة مسبقا، تحصل فيها كل أسرة على 8 كيلوغرامات من غاز الطهي، مرة كل شهرين تقريبا، وهي كميات لا تكفي ربع احتياجات الأسر المعتادة في هذه الفترة.
وتضطر الأسر إلى إشعال النار وتحضير الطعام والخبز على المواقد البدائية، وهي عملية مكلفة ماديا في ظل ارتفاع أثمان الأخشاب، ومنهكة جسديا، إذ يتطلب الأمر مواجهة مواقد النار التي تنبعث منها الأدخنة، التي تزيد من أزمة مرضى الحساسية والذين يشتكون من الأمراض الصدرية وكبار السن.
وعبرت أحد السيدات عن حنقها من هذا الأمر، وقالت أم سامر: “انتظرنا تهدئة نعيش فيها ظروفا أحسن، حتى موضوع غاز الطهي لم يحل”.
وتؤكد أنها تلزم يوميا موقد النار لأكثر من ساعتين متواصلتين تحضر فيها الطعام والخبز، لافتة إلى أن غاز الطهي الذي تحصل عليه الأسرة بكمية قليلة، تفضل استخدامه في الأمور الطارئة، كالتسخين وتحضير الطعام لطفلها الرضيع.
وأضافت وهي تتحدث عن أزمة الطعام بسبب قلة الموارد المالية: “قبل الحرب كنا نشتري كميات من الطعام، أجبانا وألبانا وتمورا ومستلزمات أخرى ولحوما، لاستخدامها خلال رمضان، واليوم نرى الكثير من هذه الأصناف ولا نستطيع الاقتراب منها”، وتشير إلى أن مصدر دخل الأسرة تأثر كثيرا بسبب الحرب.
وعادت إلى أزمة غاز الطهي، وأشارت إلى أنها تفكر حاليا في كيفية تحضير طعام السحور فجرا، حيث لا يمكنها إشعال نيران الموقد، فيما نفذت كمية الغاز التي حصلت عليها الأسرة قبل أكثر من شهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك