يروي المهندس عمر البكري أبوحراز، الرئيس الأسبق لاتحاد الكرة السوداني، حكاية تبدو للوهلة الأولى طريفة، لكنها حين تقرأ في سياق آخر تتحول إلى موجعة.
يقول إنه في إحدى مباريات القمة بين المريخ والهلال، استلم النجم الشهير زيكو الكرة في منتصف الملعب، ثم مضى بها بهدوء وسط دهشة المدرجات، قبل أن يخرج بها خارج الخط.
بدا وكأنه يتعمد إهدار الهجمة، بل وكأنه يسلم المباراة للخصم بلا مقاومة.
اشتعلت المدرجات غضباً، واعتبر كثيرون ما حدث استسلاماً غير مفهوم.
فعوقب الفريق، وعوقب اللاعب.
بعد فترة، التقى أبوحراز بزيكو، وسأله مباشرة: لماذا فعلت ذلك؟أجابه بهدوء: لو لم أفعل، لتغلب علينا الهلال بعشرة أهداف.
في ظاهر الرواية اعتراف بالضعف والهزيمة المبكرة.
لكن في باطنها، وقبل إطلاق أي حكم أخلاقي متعجل، كانت محاولة باردة لتقليل الخسائر.
زيكو لم يكن يملك أدوات الانتصار، ولا حتى أدوات الصمود الطويل، فاختار أن يتحكم – قدر استطاعته – في حجم الهزيمة.
لم يكن بطلاً بالمعنى المتداول، لكنه لم يكن عابثاً أيضاً.
كان يقرأ المباراة كما هي، لا كما يشتهيها الجمهور.
اليوم، ونحن نتابع ما يجري في السودان من حرب دامية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تبدو حكاية زيكو أقل طرافة وأكثر قسوة.
هنا لا نتحدث عن أهداف في شباك، بل عن مدن تحترق، وبيوت تنهار، وأسر تغادر ديارها حافية إلا من الخوف.
كل طرف يرفع شعار الحسم والنصر القريب.
لكن من يتأمل المشهد بهدوء يدرك أن هذه ليست مباراة يمكن أن يخرج منها أحد فائزاً صافياً.
الخرطوم ليست ملعباً، ودارفور ليست مدرجاً، والجزيرة ليست منطقة جزاء.
ما يجري حرب استنزاف مفتوحة، لا تنتج إلا بلداً مثقلاً بالجراح وجيلاً ينشأ على وقع الانفجارات.
في تلك المباراة، لم يكن السؤال هل سيخسر المريخ، بل كم سيخسر.
فاختار لاعب واحد أن يخرج بالكرة خارج الملعب، لعل الإيقاع يهدأ، أو يتوقف سيل الأهداف، أو يمنح فريقه فرصة لالتقاط أنفاسه.
في سودان اليوم يفرض سؤال أكثر إيلاماً نفسه: من الذي عليه أن يفعل فعلة زيكو؟من منهما يملك شجاعة الاعتراف بأن هذه المباراة الدامية بلا كأس؟ وأن استمرارها لن يورث السودانيين إلا مزيداً من الخراب؟ من يجرؤ على إخراج الكرة من منتصف الملعب، لا استسلاماً للطرف الآخر، بل انحيازاً لشعب أنهكته الحرب؟الواقع القاسي يقول إن أياً من الطرفين لن يحقق نصراً حاسماً.
حتى لو سيطر هذا على مدينة أو ذاك على معسكر، فإن السودان نفسه هو الذي يخسر.
العملة تتهاوى، المؤسسات تتآكل، النسيج الاجتماعي يتمزق، والأحقاد تتراكم كديون ثقيلة ستدفعها أجيال لم تشارك في هذه الحرب.
المغلوب الحقيقي ليس فريقاً يرتدي الأحمر أو الأزرق.
المغلوب هو شعب السودان، الذي وجد نفسه داخل مباراة لم يخترها، بلا حكم يوقفها، وبلا وقت بدل ضائع يعوض ما ضاع من أمن وحياة.
الفارق أن زيكو كان لاعباً في مباراة محدودة الزمن.
أما هنا فالمشهد أعقد بكثير.
لا يكفي قرار فرد، فنحن أمام شبكة من السلاح والمصالح والحسابات الإقليمية.
ومع ذلك يبقى السؤال معلقاً في سماء الخرطوم: من هو زيكو هذه المباراة؟ من يملك الجرأة الأخلاقية والتاريخية ليقول كفى؟ربما لا يكون زيكو جنرالاً.
ربما يكون ضغطاً شعبياً يتنامى في الداخل والخارج.
ربما تكون أصوات الأمهات في معسكرات النزوح.
ربما مبادرة وطنية صادقة تضع وقف إطلاق النار فوق حسابات الغلبة.
وربما يكون مزيجاً من كل ذلك.
المخرج لا يكون بانتصار طرف على آخر، بل بوقف المباراة ذاتها.
بعملية سياسية جادة تعيد تعريف دور السلاح في الدولة، وتفكك الميليشيات، وتفتح الطريق نحو دولة مدنية تحمي مواطنيها.
غير ذلك سنظل ندور في منتصف الملعب، نتبادل الكرات الثقيلة، فيما الشباك الحقيقية هي بيوت الناس وأحلامهم.
حكاية أبوحراز ليست درساً في كرة القدم، بل في تقدير اللحظة.
أحياناً لا يكون السؤال كيف ننتصر، بل كيف نمنع الهزيمة الكبرى.
في سودان اليوم، لا يحتاج الأمر إلى مهارة فردية بقدر ما يحتاج إلى شجاعة أخلاقية استثنائية.
شجاعة أن يخرج أحدهم الكرة خارج الخط، قبل أن تسكن الأهداف العشرة شباك وطن لم يعد يحتمل المزيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك