لا أحد من عقلاء أهل المعمورة في مشارق الأرض ومغاربها يرتضي حياة بلا معني أو هوية بمختلف محدداتها العقيدية والتراثية والثقافية والحضارية.
الجميع يسعون باعتزاز وفخر نحو تعزيز الهوية وتصحيح الصور الذهنية الخاطئة، وصناعة سردية مكتملة العناصر والأركان تجمل الصورة بكافة أبعادها، وقد تسهم بطريق مباشر أو غير مباشر في بناء مستقبل وطن، وصناعة الأمل في غد أفضل، وتدشين تنمية مستدامة.
، وتهيئة المناخ الأمثل لتنشيط السياحة والاستثمار والتبادل التجاري والثقافي.
ومن الآفات المنفرة، والتي ابتليت به ديار أرض الكنانة بين الفينة والأخري، ثلة من بعض المفكرين ممن يطقلون علي أنفسهم “النخبة”.
هؤلاء دأبوا علي التشكيك في حضارتنا وأصولها، ورموزها لحاجة في نفس يعقوب، وربما ركوب موجة “السعار الرقمي” لتحقيق “الترند” وحصد آلاف المتابعات والمشاهدات، دون إدراك خطورة ما يطرحه هؤلاء من رؤي وتحليلات لا علاقة لها بالمنطق أو العقل أو الدين.
هذا علاوة على ما تصنعه ” الخوارزميات” المتحيزة والموجهه، حيث تسهم بصورة أو بأخري في دعم تلك الرسائل الخبيثة التي تصب في نهاية الأمر في مصلحة استراتيجيات تشويه الهوية والقيم وتكريس الخلافات والتصادم، وهدم المجتمعات ذاتيا ومن الداخل، وهي إحدي وظائف وأهداف نظريات الهدم الممنهج ونشر “الفوضى الخلاقة اللامحدودة”.
وفي هذا السياق المؤسف اعتاد نفر من المرجفين ـ تحت ستار حرية الرأي التعبير ودعوات التنويرـ استغلال منصات “الإفساد الاجتماعي”، وتوظيفها لاستهداف الهوية وارتياد موجة تشويه الرموز الدينية والتاريخية والفنية والأدبية والرياضية، بل وشيطنة البعض منهم وكأنهم يريدون إهالة التراب علي مراحل من تاريخ الوطن وقبر إنجازاتهم والتقليل من شأنهم، وما قدموه من تراث معنوي أو مادي.
ولو تفحصنا قليلا نجد أن هؤلاء يبحثون عن سبق خبيث وشهرة زائفة وركوب موجة الإثارة في زمن الانفلات الرقمي لعلها تدر عليهم عدة مئات من الدولارات “مجهولة المصدر”، وعلي حساب سمعة من رحلوا وهم الآن بين يدي الرحمن، وهو الحكم العدل يفصل بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
بداية يجب أن ننطلق من حقيقة أنه رموز الوطن من النابهين والمتميزين بمختلف انتماءاتهم ليسوا ملائكة، ولا شياطين، وكانوا بشرا يمشون على الأرض وتمر عليهم فترات من المعاناة والمرض، وفترات من التألق والابداع، وأخري من الضعف والتراجع، لكنهم تركوا بصمات وإنجازات لا ينكرها إلا نفر من المرضي والموتورين ومن اعتاد التشكيك وإنكار نور الشمس في قارعة النهار من رمد، أو طعم الماء من سقم.
لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وأتصور انه انطلاقا من الواجب الديني، وبمنطق العدل والإنصاف الإنساني، أن نلتمس فيهم جانب القدوة وما قدموه من إيجابيات وأعمال وقيم نافعة، وتجنب الحديث عن إخفاقاتهم وممارساتهم السلبية، إلا علي سبيل الاستفادة من الدروس والخطايا.
وفي تصوري يظل المنطق الأمثل للتعاطي مع هذا الواقع ومعالجة تلك الأمور، ومن ميزان الحكمة هو: “خذ من خليلك ما صفا ودع ما فيه الكدر”.
وخلاصة القول أن الاعتزاز بالهوية والعمل طوال الوقت علي تعزيزها، وتجنب النيل منها أو التقليل من شأنها، او تشويه محدداتها مسؤولية وطنية جماعية في أوقات الرخاء والمحن علي حد سواء وكفيل بمواجهة التحديات والتغلب على كافة الصعاب في مختلف محطات رحلة الحياة الدنيا.
ويُعد تشويه الرموز “جريمة” في العديد من الدول، وتختلف القوانين واللوائح المتعلقة بها من بلد إلى آخر.
وفي بعض الحالات، قد يُعتبر تشويه الرموز إهانة للشخص أو الجهة التي ترمز إليها، وقد يؤدي إلى عواقب قانونية ومجتمعية.
وفي مصر، يُعد تشويه الرموز جريمة وفقًا للقانون المصري، فيُعاقب على تشويه الرموز الوطنية أو الدينية أو السياسية بالحبس أو بالغرامة.
ومن القوانين المصرية المتعلقة بتشويه الرموز.
ـ قانون العقوبات المصري: والذي ينص على أن تشويه الرموز الوطنية أو الدينية أو السياسية يُعد جريمة يعاقب عليها بالحبس أو الغرامة.
ـ قانون تنظيم حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية: والذي ينص على حماية الرموز الدينية من الإهانة أو التشويه.
ومن الفضائل المهمة لاحترام الرموز الثقافية والدينية والوطنية، تعزيز الاستقرار والتوافق المجتمعي وتعظيم احترام الثقافة والهوية والحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنب الفتنة والإساءة للآخرين، وتجميل الصور الذهنية والحضارية للمجتمع.
وفي اعتقادي ورغم أهمية القوانين في تحقيق الردع الاجتماعي في قضايا إهانة الرموز، انطلاقا من قناعة “من أمن العقوبة أساء الأدب” فيبقي الضمير الإنساني والإحساس بالمسؤولية الوطنية هو الفيصل في تلك المنظومة القيمية، وهو الضامن الأكبر لتحصين المجتمع من آثار تلك الآفات الثقافية والأمراض “الفكرية”.
!
وعلي الجانب الآخر فالجميع مسؤولون عن دعم الانتماء وتعزيز الهوية لدى الأفراد أو الجماعات بكافة روافدها الوطنية، الثقافية، الدينية، أو الاجتماعية.
ومن بين وسائل طرق تعزيز الهوية.
ـ التعليم: حيث يساهم في تعزيز الهوية من خلال تعليم الأفراد عن تاريخهم وثقافتهم، كما أن الاهتمام بتعليم اللغة العربية والاعتزاز بها، أمر لا خلاف عليه فهي رمز للهوية الثقافية والعقيدية.
ـ الاهتمام بالرسائل ولغة الخطاب الإعلامي عبر مختلف وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
ـ الاحتفاء بالرموز وتكريمهم والاحتفال بالمناسبات الوطنية والثقافية والدينية.
ـ التفاعل الاجتماعي مع الآخرين حيث يسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعزيز التماسك والتكاتف والتكافل والشعور بالانتماء والهوية، وتعزيز الاستقرار النفسي لدى الأفراد والجماعات والتعايش الإيجابي السلمي ومواجهة كافة التحديات.
ـ “صوت الحق لا يخفت، قد يُحاصَر لكنه لا يُهزَم.
كلما حاولوا قمعه زاد حضورًا وتأثيرًا، لأنه يستمد قوته من الصدق لا من الضجيج، ومن الإيمان لا من الخوف، فدائمًا الحق يفرض نفسه ولو بعد حين”.
ـ”توقف عن استهلاك طاقتك في إثبات نقائك لمن اختار تشويهك؛ فمن استسهل فيك سوء الظن لا يستحق عناء التوضيح.
اترك له أوهامه ليعيش فيها، واحتفظ أنت بسلامك النفسي.
ـ لا تلتفت للوراء كثيرا.
ودع الماضي وأبدأ جديدا من أول السطر.
ـ من أبدع واجمل صور”الهوية” في بلادنا مظاهر وصور الاحتفالات المبهرة ببشائر قدوم شهر رمضان المبارك.
وبالفعل “رمضان في مصر حاجة تانية”، حيث تتزين الشوارع والميادين والمحلات التجارية، بالفوانيس الجميلة والزينات الرائعة، وتتأهب القلوب والنفوس للمراجعة والتوبة وتجديد عري الإيمان وبدء رحلة إيمانية في مدرسة الصيام الكبري فهو عبادة روحية ونظام صحي متكامل له تأثيرات عظيمة على الجسم والعقل، وهكذا ديننا الحنيف الذي هو نظام حياة متكامل يُحقق التوازن بين الجسد والعقل والروح ولو كره الكارهون والمرجفون.
قال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: ١٨٣) صدق الله العظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك