روسيا اليوم - تحذير "غير اعتيادي" من واشنطن لكييف بشأن ضرب منشأة نفطية روسية الجزيرة نت - في ليالي رمضان.. مستوطنون يحرقون منازل ومركبات الفلسطينيين بالخليل وكالة سبوتنيك - القوات الروسية تدمر مخازن الذخيرة للجيش الأوكراني قرب خاركيف روسيا اليوم - العداوة الأوروبية تصطدم بـ "الصداقة" روسيا اليوم - العراق يعلن إغلاق مطار بغداد الدولي مؤقتا روسيا اليوم - هل أنقذ ترامب بريطانيا من خطأ فادح؟ روسيا اليوم - قرار من المحكمة الأمريكية يُنذر إيران بكارثة إيلاف - من إسكوبار إلى إل مينتشو: هل انتهى عصر أباطرة المخدرات؟ BBC عربي - وزير الخارجية الإيراني: التوصل إلى اتفاق مع واشنطن لتجنّب مواجهة عسكرية "في المتناول" Independent عربية - إيران تتطلع لـ"اتفاق غير مسبوق"... وترمب بين الدبلوماسية أو القوة الفتاكة
عامة

سلاما على الطيبين يا نصر.. وقفة ذاهلة أمام الموت فى وداع زميل نبيل

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 6 أيام

خفيفا كالنسمة عاش، وخفيفا رحل. لم يشأ أن يُرهق أحبته معه؛ فسلّم رايته للموت على عجل، وللقدر تصاريف لا يعلمها إلا مقدّر الأقدار. تغفو على أمل وتصحو على لسعة فى القلب، وتأتيك الرسالة من حيث لا تحتسب. . ...

ملخص مرصد
محمود نصر، شاب من الصعيد، توفي بعد صراع قصير مع المرض، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا لدى أسرته وزملائه. يستعيد الكاتب ذكريات فقدان والده في طفولته، مقارنًا بين التجربتين، ويتأمل في قسوة الموت وطيبته في انتقاء الأرواح النقية.
  • محمود نصر شاب من الصعيد توفي بعد إصابته بوعكة صحية مفاجئة
  • الكاتب يقارن بين فقدان نصر وفقدان والده في طفولته خلال عيد الأضحى
  • يتأمل في قسوة الموت وطيبته في انتقاء الأرواح النقية مثل نصر
من: محمود نصر (الفقيد) والكاتب (الراوي) أين: غير محدد (يُذكر الصعيد والأقصر) متى: غير محدد (يُذكر موسم رمضان وعيد الأضحى)

خفيفا كالنسمة عاش، وخفيفا رحل.

لم يشأ أن يُرهق أحبته معه؛ فسلّم رايته للموت على عجل، وللقدر تصاريف لا يعلمها إلا مقدّر الأقدار.

تغفو على أمل وتصحو على لسعة فى القلب، وتأتيك الرسالة من حيث لا تحتسب.

شاب حديث السن، موفور العافية والبهجة، ينسحب الضوء من عينيه كما يُسدَل ستار الليل على النهار، فيمضى فى موكب النور وحيدًا، ويترك أحزانه للجميع.

موزّعة عليهم بالتساوى، كأنها مرايا مشرعة فى وجوههم، تذكّرهم بالحقيقة التى يُضيّعونها فى زحام الحياة.

اسمه محمود نصر، أتى سيرا من الصعيد على هَدى أحلامه الصغيرة، ويعود إليه فى صندوق كئيب.

سنوات بين الوفادة والإقلاع مُجدّدًا، تراءى للموت أن يحصدها بمنجله الساخن فى غضون أسابيع.

وعكة؛ فاكتشاف مؤلم، ورحلة علاج أقصر من حبل الأمانى، وأطول على أسرته ومُحبيه من الخيوط التى ربطتهم به، وربما لم يعرفوا مقدار تشابكها وإحكامها؛ إلا عندما انفكّت من غير إرادته أو إراداتهم.

كانت له علينا ديون مُتراكمة بالعشرة والأُنس وطيب المعشر؛ واستردّها كاملة، ودفعة واحدة، بدمعة الرحيل.

منذ سقط صريع المرض قبل أسابيع، ظللت أتحسس موضع الطعنة المُتوقّعة، وأغالب حاسّة التشاؤم باصطناع السلوى.

أهاب الموت ولا أخشاه؛ غير أننى جرّبت الحياد معه سابقًا، وأُخِذت منه على حين غِرّة.

ساءت علاقتى مع المشافى والأسرّة البيضاء، وبقيت متوجّسًا بالضرورة من كل سقطة مفاجئة، وأجفل إزاء الآجال المُعلقة على الآمال؛ لا سيما فى المواسم والأيام التى تُلوّح بظاهر الفرح، وتُخبّئ مرارتها عن الأعين، مُتحيّنة الظرف الأنسب لتمريرها فى غفلة من الناظرين.

كنت فى الثامنة تقريبًا، وعيد الأضحى على الأبواب.

استُدرج أبى إلى غرفة فى قسم القلب؛ فتعطّل التحضير للمناسبة كما جرت العادة.

ارتبكت الأجواء، ووُضِعت العائلة كلها فى مرمى التصويب، وما نال ذلك من حماسة الطفل وانتظاره للتكبيرات، مع عشم لم ينقص مُطلقًا، فى أن يعود الأسير من غربته المؤقتة إلى البيت، من ملابس المرضى إلى جلباب الصلاة، وأن أشبك كفّى الصغيرة فى إصبع من راحته الكبيرة، وأذهب معه كما يذهب الجميع فى معيّة الآباء.

تحقّق نصف النبوءة، أو الأمنية بالأحرى؛ بيد أن العودة كانت لإذكاء الحَزَن لا أكثر، واعتصار الجُرح إلى آخره، وضمان أن يكون الوداع من النقطة صفر، وبكامل لوعته وقسوته وانطباع وشمه الأسود فى الروح.

ليلة عابرة قبل العيد بأسبوعين تقريبًا، خرج للعزاء فى راحل آخر وأطال البقاء هناك، غالبت النوم حتى غلبنى؛ لأستيقظ على صراخ أمى يرفعنى من السرير ليُطوّحنى على الأرض: أبوك مات.

من يومها؛ لم تعُد المواسم بالنسبة لى أكثر من فخاخ مُغطّاة بالورد والألوان.

ربما لهذا قضيت الأيام الماضية أتقلّب على جمرٍ وشوك، وأسأل عن «نصر» دون أن أتجاسر على الذهاب لرؤيته فى رقدته الأخيرة، فاقدًا الوعى، ومشبوكا بالخراطيم والأجهزة.

ليس شقيقًا ولا قريبًا؛ بل ربما لم أكُن فى دائرة أصدقائه المُقرّبين؛ إلا أنّنى شعرتُ لوهلة أنه قد يكون وجيعتى فى الموسم الجديد.

أستعيد ذاكرة الجُرح القديم؛ لا عن غرام بالألم وفداحة اليُتم، إنما لأختبر الحالة التى كُنت عليها فى أوائل التسعينيات، إذ رُبما تشفع الشراكة فى الشعور الواحد لابنه الصغير، وقد كُتِبَ له أن يُعاين اليوم ما عانيته بالأمس.

لم تَطُل قامة آدم كثيرًا، ولعلّه لا يكبرنى عندما كنت فى الموضع نفسه ذات ماضٍ بعيد.

للموت أثر واحد، ويتفاوت الناس فى إحساسهم به وقدرتهم على احتماله.

أفسد أبى العيد عن غير قصدٍ، وينطفئ فانوس الطفل اليوم قبل ساعات من غُرّة رمضان.

عشتُ ما تلى ذلك من العُمر مهجوسًا بالفقد، نازفًا من الخاصرة والقلب معًا، وأهون الأضرار أننى لم أعد أعرف طعم كلمة «أبى» أو معناها، مع ما يتفرّع عنها من تفاصيل تُؤسِّس لحياة لا يتسلّط عليها الخوف والضعف.

وعندما تلقّيت النبأ أمس؛ تجدّدت الحكاية كأنها طازجة لم يجف ماؤها بعد، وكأن أبى يتمدّد أمامى على طاولة الغُسل، والناس حشود تشغلهم الطقوس، ووحدى أجلس صامتًا، مُستندًا إلى الجدار، لا أعلم ما يجرى فى زحام الأقدام، ولا أحد يعرف ما ألمّ بى واستعبدنى من يومها إلى الآن.

لم أره إلا مُبتسمًا.

الفتى اليانع ابن الأقصر، وليس أبى.

فالأخير لا أذكر من ملامحه إلا ما تحتفظ به صورة قديمة على الحائط.

ومن كرم العصر أن وفّر مُتًسعًا للتوثيق، ولوّن اللحظات بألوانها الطبيعية؛ ولكن البراويز لا تُبقى من الإنسان إلا ظلاً باهتًا، ولا ترُدّ على المُنادى، وليس فى وِسعها أن تُصوّب نظرة مباشرة من العين للعين.

تُضرَب المواعيد مُبكّرًا، وعليها أمارات لا نراها.

الراحلون سيماهم فى وجوههم؛ وليس أسهل من ادعاء الحكمة بأثر رجعى، وأن نقول الآن إن الفقيد كان مصيره مكتوبا بين حاجبيه، وكان ابن موت؛ لأنه ظل الأطيب والأصفى والأكثر ودًّا وسماحة.

ولو أننا عرفنا فى الوقت المناسب؛ لربما خفّ الحِمل عن كاهلنا بالاستزادة من الحضور، أو بالتباعد والمُخاصمة كى لا تُصيبنا سهام الأُفول.

مرّ علىّ بين الطوابق قبل أيامٍ لا أذكر عددها؛ لكنها تُحصى أسهل من إحصاء عدد ضحكاته فى الجلسة الواحدة.

كانت الملامح مُشرقة كعادته، ولسانه الحلو يقطُر تحايا وإيماءات تنُمّ عن طيب الأصل وخفّة الدوس على الأرض.

لعلّه اشترى ياميش رمضان قبلها، أو أحضر الفانوس الموعود لآدم، ثم ذهب إلى غيبوبته.

تعب بسيط؛ وفحص إثر آخر، فجراحة وانتكاسة.

اختبار فى الصبر، وتمرين لنا على الاصطفاء المُباغت.

جرّبتها فى السابق مع صديق آخر.

اسمه علام عبد الغفار، التقينا فى طوارئ المستشفى القريب من مقرّ اليوم السابع، كُنت أُتابع مستجدات الضغط وأمراض القلب، وكان يُعانى طارئًا لم يقبض عليه الأطباء، وربما ظلّ غامضا حتى شيّعه إلى مثواه الأخير.

أسابيع كرّت إثر بعضها، وبعد زيارة تضاحكنا فيها، أتانا الخبر المشؤوم.

لم يكن موسمًا كعيد أبى أو رمضان «نصر»؛ غير أن الأيام مع الطيبين كلها مواسم وعلامات.

يقطع الواحد منهم تذكرته ويرتاح فى مقعده؛ ليدُلّ الآتين من بعده على طريق السفر.

كرم مُفرط من الأصدقاء الصغار عُمرًا، الكبار قدرًا ومكانة وإنسانية؛ لأنهم يتولّون عنّا مشقّة التطبيع مع الفقد والموت.

يُبشّرون بخفّة الرحيل كانسحاب سيخ ساخن من كبشة صوف، ويُطمئنون قلوبنا الوجِلَة إلى أن الرحلة الحتمية ليست شرًّا مُطلقًا، وأحلى ما فيها أننا سنجد أحباء ينتظروننا على الضفّة الأخرى من العالم.

بالحسبة الاعتيادية؛ فإن لـ»نصر» حقوقًا على الدنيا لم يستوفِها.

طفل بالواقع والمجاز؛ لأنه لم يُفرّط فى طفولته من البدء للمُنتهى، ولأنه لم يأخذ حظّه من الحياة، ولا منحته عُشر ما تمنّى أو أقبل عليها به من طاقة وتوهُّج.

سنوات كان يُخطط لها، وأحلام ينتظر أن تواتيه، وطفل كان يرتسم فى خياله، من دون شكٍّ، عُكّازًا يسنده فى شيخوخته، لا كتفًا يُزاحم الكبار ليتقاسم معهم ثِقَل النعش، وخِفّة الوعود الذابلة.

الموت قاسٍ لأنه ينحر بلا حسابات، وطيب إذ ينتقى الطيب والجميل قبل سواه.

تمرّر الموسم فى حَلقى يا نصر، والله، كما جرى قبل أكثر من ثلاثة عقود مع شيخ مُعتل القلب أحمله نسبًا ووجيعة من المهد إلى اللحد، اسمه حسين، وكان موكبه كربلائى بالنسبة لى، كما كان موكب الحسين الأوّل.

قُلت أناجيه فى قصيدة كتبتها قبل سنوات: «حسّيت وجودك فيّا واضح// لمّا كنت لوحدي دونًا عن عيال المدرسة// ما أدفعش مصاريف الكُتب.

سكة سفر// ما كانتش في المرة دي راجعة رحلتك».

وأشدّ ما فى الموت، أن نُخلف المواعيد مع مَن نُحبّهم، أو نترك لهم مرارة ما تعوّدنا التفنن فى تركيزها، ولا تعوّدوها مِنّا.

وبقدر ما أتألم على نصر، يتضاعف الألم؛ ليقينى أنه يتألم من وراء السحاب؛ لأنه ترك للناس حشرجة فى الحناجر، ودمعات تطفر من أحداقهم، وكان سببًا فى إيلامهم، على غير عادته فى أن يكون مبعثًا لبهجتهم.

رحل زميل، جمعتنا المهنة والمؤسسة الواحدة.

والأسى عليه لأنه أهل لذاك؛ ولأن من خلفه بشرًا تلوّنت مواسمهم بالسواد.

غير أننا نأسى فى المقام الأول على أنفسنا، على فقدان مَن نحب، وعلى التذكرة القاسية التى نتوقّاها ونتغافل عنها.

كُلنا إلى الموت والتراب؛ بأحزاننا وأفراحنا وبالبشر الذين اصطفيناهم واصطفونا، فيصحب الراحل مِنّا إخوته معه إلى دار البقاء قبل مواعيدهم.

ولا تُعاش الحياة إلا بالطيبين مثل محمود، ولا يُخشى الموت طالما أن الذين سنلتقيهم هناك لاحقًا، من تلك الفئة النادرة من البشر.

ملائكة لا تتصنّع، وآدميّون لا يتخفّون من نقصهم وهشاشتهم، وصناديق مُقفلة على أفراح وأتراح، لا تبخل بحمولاتها ولا تئن من ثِقَلها، ومهما حمّلتها الأيام تحتمل، وترحل خِفافًا كما عاشت.

فسلاما على الطيبين، وأوّلهم آخر المُلتحقين بالطابور الطويل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك