يدخل العرب اليوم، عصر" المايكرو ثقافة"، و" المايكرو دراما"، و" المايكرو علاقات اجتماعية".
كأنهم أنجزوا سردياتهم البحثية الكبرى في الفلسفة والنقد، ولم تبق هناك حاجة للمطوّلات" المملة" التي يقولون إنها تستنزف وقتهم بلا فائدة.
في حين يتولى عصر" التيك توك" و" الانستغرام" و" X".
طبخ وجبات المتابعين، على شكل كبسولاتٍ ثقافية وفنية مختزلة، يعتقدون أنها تغني وتثمر، أكثر من الإغراق بالتفاصيل!
الإعلان عن مسلسلات" مايكرو درامية" جديدة، يصب في هذا الاتجاه، فعوضاً عن 40 حلقة من" الزير سالم" يمتد زمن كل حلقة فيه قرابة الساعة، أنجزها المخرج حاتم علي، وكتب حواراتها الإبداعية ممدوح عدوان عام 2000، يمكن للمتابع اليوم، مشاهدة القصة التاريخية، بأربعين حلقة، لكن مختزلة، " مسحوبة الدسم"، بلا" حباشات" أو لغة" مقعّرة"، ومدة حلقتها دقيقة ونصف، لأن الجمهور مستعجل، ويريد" قطف الكباية من رأس الماعون"!
مايكرو ثقافة.
ومايكرو حب وشوق!
طبخات الوجبات السريعة، لا تقتصر على" المايكرو دراما"، فقد أصبح هناك" مايكرو" في معظم أنواع الفنون، حتى في العلاقات الاجتماعية، هناك" مايكرو حوار"، و" مايكرو حب" و" مايكرو شوق"، لأن الوقت لا يسمح، والجماهير تنتظر بشغف على المنصات، كي تعرف النتائج والخلاصات، دون الدخول بالتفاصيل!
يصح الحديث اليوم عن" مايكرو ثقافة"، تقتصر على حفظ عناوين الكتب، دون الحاجة لقراءتها، ويُكتفى بحضورها كديكور على الرفوف في الصالون إلى جانب طقم غرفة الضيوف.
فـ" المايكرو ثقافة" تعني، أن تحفظ عدة عبارات مختزلة، تُكرَّر في اللقاءات وإطلالات السوشيال ميديا والندوات، كي تبدو" فطحلاً"، لا يشق له غبار.
حتى عندما تخونك الذاكرة، يمكنك الارتجال باختراع" مايكرو ثقافة" خاص بك، فأنت لست مطالباً بحفظ بيت شعر كامل للمتنبي، بل يمكنك أن تقول ما يعبر عنه، كذلك الأمر بالنسبة لتبني الأحكام النقدية حول تجارب الكتاب والمفكرين، ستتكفل" المايكرو ثقافة" بتولي المهمة، عندما تستعيرها من مستعجل آخر، اخترعها بسرعة، دون العودة إلى كتب الشاعر أو المفكر أو الفيلسوف.
هكذا تبدو ثقافة" المايكرو"، مسوقة لثقافة القطيع، لأنها تعزله عن النسخ الأصلية من النصوص، ليتبنى أحكام" المايكرو"، دون العودة إلى الأبحاث والإحصائيات، لأنها مملة وتتطلب جهداً ووقتاً طويلين!
يقول تقرير للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو) صدر عام 2021، بأن هناك 69.
4 مليون إنسان ممن هم في الفئة العمرية 15 عاماً فما فوق، يعانون من الأمية، وأن المنطقة العربية تستحوذ على نسبة 9% من أولئك الأميين في العالم.
وإذا ما أخذنا إحصاءات المنظمة الدولية، وقارناها بما يجري على أرض الواقع، لابد أن نتساءل عن مصير آلاف الكتب التي يُعلن عن بيعها في معارض الكتب العربية بشكل عام؟ هل يقرؤها الشارون فعلاً؟ وكيف يختار القراء كتّابهم المفضلين؟ مادامت أرقام الأمية ترتفع، بينما مبيعات الكتب تزداد؟على الأرض، نعثر على ثقافة" المايكرو" كسببٍ غامض يجلس خلف الكواليس، فكثيراً ما يشتري الشاب مطبوعاً معيناً، لأنه سمع عنه، أو شاهد شيئاً يمتّ إليه بصلة عبر السوشيال ميديا، ومرات وجهته الأيديولوجيا التي يحملها لاختيار الكتاب.
ونسأل أحد الرواد الشباب في معرض دمشق الدولي للكتاب: لماذا اخترت شراء كتاب ألف ليلة وليلة بأجزائه الثلاثة، إلى جانب مجلد كبير في الفقه؟ ويجيب بأنه سمع كثيراً عن هذه الكتب ويحب أن يقتنيها، حتى لو لم يجد الوقت الكافي لقراءتها.
ثقافة" المايكرو"، تظهر أيضاً في أجنحة الكتب المجانية، حيث يحتشد الناس لمجرد أن الكتاب بلا نقود، وبينما نسأل زائر آخر عن سبب اقتنائه ديواناً لشاعر حديث؟ وعزوفه عن شراء ديوان من الشعر القديم؟ فتتكفل ثقافة" المايكرو" بالإجابة، فيقول استناداً إليها: " إن هذا الشاعر ظريف ومهضوم.
بينما الشعر القديم ممل وغير مفهوم".
والمشكلة هنا تكمن في الاعتماد على ثقافة" المايكرو" في تكوين حكم نقدي تجاه كتاب أو كاتب!
القصة تبدو مفهومة عند القارىء العادي الهاوي، لكن حضور" المايكرو" ثقافة في الندوات الأدبية المختصة، يؤكد وجود مشكلة في فهم المصطلحات وتجارب الكتاب ومجمل الإرث الثقافي الذي من المفترض تقويمه نقدياً وإبداعياً.
ربما تتحمل ثقافة الصورة، جزء كبيراً من المسؤولية، إلى جانب إقحام ممثلي الدراما، أنفسهم في مجالات ثقافية لا يملكون الأرضية الكافية لاقتحامها.
إضافة إلى السوشيال ميديا، التي جعلت صناع المحتوى، أشهر من أهم الباحثين العرب الذين قضوا عمرهم في التأليف وأصدروا عشرات الكتب.
ثقافة المايكرو، وصلت أيضاً إلى العلاقات الاجتماعية بين الأصدقاء والأحبة والجيران.
فغالباً ما يتسبب الكلام الشفهي غير الموثق، بتغيير شكل العلاقات وربما قطعها، لأن العرب بمجملهم ميالون لأن يكونوا كائنات شفهية محكومة بالكلمات، أكثر من الاختبارات والكشف الموضوعي.
ثقافة المايكرو، اقتحمت علاقات الحب، فجعلتها نمطية تسير وفق اتجاه محدد، لا يمت بصلة إلى قصص روميو وجولييت، أو قيس وليلى، أو عنتر وعلبة.
هناك اليوم شكل معين للشوق، وبراويز محددة للحب، يتم تعميمها بشكل حاسم عبر السوشيال ميديا، ويتبناها الجيل الجديد من حيث لا يدري.
وبالعودة إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عام 2021، فإن الأمية بين الشباب في الفئة العمرية 15 – 24 عاماً، في عام 2019، بلغت نسبتها بين الذكور 14%، وبين الإناث 16.
4%.
فكيف يمكن أن نتخيل شكل الحياة الواقعية، لشريحة كبرى من الشباب، لا تملك مخزوناً ثقافياً كافياً في الفكر والحب وأحوال المجتمعات؟
يخبرنا أحمد، أنه انفصل عن حبيبته لأنها لا تجسد الصورة المرسومة في خياله عن الحبيبات، عند اللقاء وردود الفعل واستخدام العبارات أثناء الحديث.
ونسأله كيف اختارها إذن؟ ونكتشف بأن ثقافة" المايكرو" هي من دفعه لذلك، لأن الفتاة جميلة وحسب.
ظاهرة أخرى تكرس ثقافة" المايكرو"، هي ملخصات الكتب، والذكاء الاصطناعي، حيث تؤخذ الملخصات بثقة من قبل الجمهور، مثلما هي أجوبة الذكاء الاصطناعي الذي كثيراً ما يقع بأخطاء كبيرة.
اختزال السرديات، بجمل قصيرة، أو مواقف نهائية مستعجلة، من أبرز مشكلات عصر" المايكرو" ثقافة.
حيث رُويت قصة الزير سالم مثلاً، عدة مرات عبر الدراما، لأن مسلسلاً واحداً نجح في نقلها سابقاً، مع أن قضايا العصر مليئة بالعناوين الشائكة التي تحتاج معالجات سريعة من قبل الفنون.
وهو ما يصح على القراءة والتأليف وصناعة المحتوى.
وحتى ينتهي عصر" المايكرو ثقافة"، ستتحمل الثقافة العربية الكثير!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك