فكّك الجزء الأول من هذا المقال جذور الأزمة التي أقعدت الجيش السوداني، وحوّلته من درعٍ للوطن إلى فاعل سياسي واقتصادي مهيمن.
ينتقل هذا الجزء من التشخيص إلى التشريح، ثم إلى العلاج، ليناقش ملف الإصلاح الأمني والعسكري بوصفه بوصلة عبورٍ بالجيش من موازين الصراع إلى ميزان الدولة، وفق عقد أمني جديد ينهي إلى الأبد زمن الجيوش الموازية والولاءات الحزبية، ويضع السلاح تحت إمرة الدستور وحده.
تركة الإنقاذ الخبيثة وتركة الانتقال الحميدة:
أدرك نظام البشير مبكراً خطورة انحياز الجيش للشعب كما حدث في أكتوبر وأبريل، فعمد إلى تخريبه عبر مذبحة ضباط رمضان، وتجريف الكفاءات الوطنية، وسياساته الأيديولوجية، واستحدث نظاماً أمنياً معقداً يقوم على تعدد الجيوش والميليشيات لضمان ولاء السلاح للتنظيم.
وقد مثّل هذا التعدد استراتيجية تأمين للنظام، أدت لاحقاً إلى تفتيت احتكار الدولة للعنف، ووضعت السودان أمام معضلة تمثلت في تحوّل القوات النظامية إلى جزرٍ معزولة من الولاءات القبلية والأيديولوجية.
أثبتت وقائع ثورة ديسمبر 2018 أن المؤسسة العسكرية لا تزال تتحرك بعقيدة الهيمنة لا الشراكة؛ فالتغيير الذي أطاح بالنظام لم يغيّر من بنية التفكير العسكري التي ترى في المدنيين مجرد واجهة تجميلية.
إن الالتفاف على مطالب الشارع، الذي تجسّد بوضوح في انقلاب 25 أكتوبر 2021، يمثل طعنةً في خاصرة المسار الديمقراطي؛ إذ تعمدت القيادة العسكرية تقويض الشراكة مع المكوّن المدني قبل الوصول إلى مرحلة تسليم رئاسة مجلس السيادة، مما يؤكد أن الجيش لا يزال يرى نفسه وصياً على البلاد، ويرفض التخلي عن امتيازاته السياسية والاقتصادية.
تتحمل القيادة العسكرية مسؤولية مباشرة عن حالة التشظي التي أصابت السودان بعد الثورة، إذ لجأت إلى هندسة الأزمات بخلق التوترات الأمنية لتصوير المكوّن المدني عاجزاً عن إدارة الدولة، ومن ثم تقديم الحل العسكري كضرورة مرحلية.
ويُعدّ هذا السلوك تقويضاً متعمداً لأركان الحكم الديمقراطي، حيث سُخّرت إمكانيات الدولة لخدمة بقاء العسكر في السلطة، مما وضع الجيش في مواجهة مباشرة مع الشعب الذي لم يعد يقبل بالحكم الشمولي.
وهذا بالطبع لا يعفي المكوّن المدني؛ فقد وجّه اللواء معاش كمال إسماعيل، في ورقته المقدمة في ورشة تقييم الفترة الانتقالية (يوليو 2022)، نقداً شجاعاً لتجربة الحرية والتغيير، معتبراً أن إبعاد العسكريين المتقاعدين عن مفاوضات المرحلة الانتقالية كان خطأً فادحاً.
وقد أنتج هذا الإقصاء وثيقةً دستورية منحت المؤسسة العسكرية سلطةً حصرية لإصلاح نفسها دون رقابة مدنية، مما خلق شراكةً متشاكسة.
ويرى أن المدنيين تركوا ميدان الإصلاح للعسكريين وحدهم، مما سمح للمكوّن العسكري بتكريس هيمنته وحصاناته، وتوظيف الثغرات القانونية لتعطيل الانتقال وتقويضه.
مثّل الاتفاق الإطاري انعطافةً مهمة، كونه غاص في جذر الأزمة بتقديم رؤية استراتيجية متكاملة لأسس الإصلاح الأمني والعسكري.
انطلق من مبدأ وحدة السلاح تحت إرادة الدولة، واضعاً خارطة طريق لدمج كافة التشكيلات العسكرية، وعلى رأسها قوات الدعم السريع والحركات المسلحة، في جيشٍ قومي واحد مهني، محكومٍ بمعايير فنية لا تقبل المحاصصة.
وتجاوز فكرة الدمج الفني إلى مفهوم إصلاح العقيدة، بإعادة تعريف دور الجيش كحامٍ للدستور ومنفّذٍ للسياسات المدنية، مع وضع أسس قانونية لإنهاء التغوّل العسكري في النشاط الاقتصادي، وحظر الانتماء الحزبي.
وبالتالي فإن الاتفاق الإطاري كان محاولة جادة لنزع فتيل الانفجار، وتحويل قضية الإصلاح الأمني والعسكري من صراع الجنرالات إلى مشروعٍ وطني تشرف عليه سلطةٌ مدنية مدعومة بضمانات دولية.
وقد قاد تقويض هذا المشروع إلى الصدام العسكري.
لقد شكّلت ورشة الإصلاح الأمني والعسكري (مارس 2023) آخر ورش الاتفاق الإطاري مختبراً وطنياً ودولياً للإصلاح، حيث قدّم قائد الجيش في الجلسة الافتتاحية تعهداً بقطيعة القوات المسلحة مع ماضيها في مساندة الديكتاتورية، مؤكداً الحرص على بناء جيشٍ مهني يلتزم الحياد السياسي.
وأبدى قائد قوات الدعم السريع قبولاً بمبدأ الجيش المهني الموحّد، معتبراً أن الإصلاح مهمة شاقة لكنها حتمية لاستقرار البلاد، ومؤكداً الالتزام بدمج قواته.
وارتكزت أعمال الورشة على أوراق عمل صاغها كبار الضباط؛ فقدّم اللواء أبوبكر فقيري ورقة الترتيبات الأمنية، وناقش اللواء د.
محمود سليمان إصلاح الشرطة، بينما استعرض اللواء مكي عوض محمدين ورقة المخابرات العامة، وقدم اللواء ركن ضياء الدين أحمد العوض والعميد مدثر إبراهيم والعقيد علي طبيق الورقة الرسمية لتحديث المؤسسة العسكرية، فيما قدم العميد ركن عمر حمدان رؤية الدعم السريع، وذلك وسط تعقيبات فنية من جنرالات مثل حاتم السر الدسوقي، وعادل العاجب، وآدم دليل، وتاج السر عثمان، وإدارة جلسات ضمت مريم الصادق المهدي، ومحمود فضل الله قمش، وربيع سليمان، مع مشاركة فاعلة لخبراء دوليين.
وقد أدى انسحاب الجيش من الجلسة الختامية إلى تصاعد التوتر وتوفير الثغرة لعناصر النظام البائد لإشعال الحرب.
أصل الأزمة متمثل في وجود جيشين في الدولة، ليس نتاجاً للاتفاق الإطاري، وإنما هو موروث من نظام البشير الذي شرعن الدعم السريع لحماية سلطته، مما خلق قنبلةً موقوتة من التناقضات العسكرية سبقت الثورة بسنوات.
لم يمنح الاتفاق الإطاري الدعم السريع وضعيةً مستقلة، بل كان الوثيقة الوطنية الأولى التي انتزعت منه موافقةً رسمية على الدمج في جيش وطني واحد وفق أسس الإصلاح الأمني والعسكري.
وعليه فإن السردية التي تزعم وجود تحالف بين القوى المدنية والدعم السريع لتدبير انقلاب هي فرضية ساذجة؛ فقد أثبتت الوقائع أن عناصر النظام البائد داخل الأجهزة الأمنية هم من نفخوا في كير الفتنة.
فبينما كانت اللجنة الفنية المشتركة تعمل على تهدئة الأوضاع، عُجِّل ببدء الحرب لقطع الطريق على التوقيع النهائي.
لم ينفجر القتال بسبب الورشة، وإنما بسبب عقدة القيادة والسيطرة التي استغلتها قوى الظلام لتحويل خلاف مهني إلى مواجهة شاملة تهدف إلى استعادة سلطة النظام البائد، متلاعبةً بالتناقضات بين المؤسسات الأمنية.
وكان الدور المدني دوماً هو الطرف الثالث الذي ينزع فتيل الأزمات، مدركاً أن أي تحالف مع طرفٍ عسكري ضد آخر سيعني بالضرورة إشعال حريق وطني لا يمكن إطفاؤه، وهو ما جعل الإصلاح الأمني والعسكري حجر الزاوية في الرؤية المدنية لاسترداد المسار الديمقراطي وبناء جيش مهني واحد.
إن الادعاءات التي تربط الاتفاق الإطاري باندلاع الحرب هي محاولة بائسة لتزييف الوعي.
من نافلة القول إن الحرب كشفت عن تراجع في القدرات العملياتية والاحترافية للجيش نتيجة عقود من التخريب الممنهج، حيث وجد نفسه مضطراً للاعتماد على مليشيات ومستنفرين وكتائب النظام البائد لسد العجز في المشاة، مما أعاد إنتاج ظاهرة تعدد الجيوش التي طالما كانت سبباً في زعزعة الاستقرار.
وقد ألحق هذا الاعتماد ضرراً جسيماً بالجيش على مستوى فقدان البنية التحتية والمقار الاستراتيجية واستنزاف الكوادر البشرية، والأخطر من ذلك انهيار الثقة بين الجيش والشعب، وظهور الجيش كطرف في الصراع بدلاً من كونه مؤسسةً حامية للجميع.
مثّلت أدوات الدعاية الحربية المنفلتة أحد أخطر الأسلحة التي ارتدت إلى صدر المؤسسة العسكرية والوطن على حد سواء؛ فبدلاً من أن يكون الإعلام أداةً للتنوير ونقل الحقائق، تحول خلال الحرب إلى مصنعٍ للبطولات وخطاب الكراهية الذي غيّب الوعي الاستراتيجي لصالح الحشد العاطفي.
وقد أدى هذا التجييش الإعلامي إلى عسكرة الفضاء العام، مما دفع الجيش، تحت ضغط التوقعات غير الواقعية، إلى اتخاذ قرارات تفتقر إلى الحسابات العسكرية.
علاوةً على ذلك، فإن الدعاية القائمة على شيطنة الآخر وتخوين النقد عزلت الجيش عن ناصحيه المخلصين، واستبدلتهم بأبواق دعائية تهتم بتجميل الإخفاقات أكثر من معالجتها.
وقد ساهم هذا النهج في تمزيق النسيج الاجتماعي بربط الوطنية بالولاء للقرار العسكري المطلق، ما حوّل صوت الرصاص إلى اللغة الوحيدة المسموعة، وأغلق منافذ الحلول السياسية، ليجد الوطن نفسه ضحية “بروباغندا” صنعت وهماً لم يصمد أمام اختبارات الحرب، وغذّت ممانعة السلام داخل بعض دوائر المؤسسة العسكرية بدوافع هواجس الوجود والمصير، حيث يُنظر إلى السلام خطأً باعتباره انكساراً للمهابة العسكرية، أو مدخلاً للمحاسبة، أو تقليصاً للنفوذ الاقتصادي والسياسي.
ويُعدّ الصراع الخفي داخل أروقة المؤسسة العسكرية وتعدد مراكز اتخاذ القرار من أخطر مظاهر الأزمة؛ إذ تحولت المؤسسة إلى ساحة للتجاذبات بين أجنحة متصارعة تختلف في ولاءاتها الأيديولوجية وارتباطاتها الإقليمية وطموحات قادتها الشخصية.
وقد انعكس هذا الصراع في ظاهرة الخطابات الارتجالية والمتناقضة التي تجاوزت الانضباط العسكري بحثاً عن شعبوية ترسل رسائل ملغومة.
وقد زعزعت هذه الارتجالية ثقة المواطن أكثر في مؤسسته العسكرية، وتحولت المنصات العسكرية إلى منابر لإنتاج الأزمات، واستُبدلت قضايا الأمن القومي ووقار الجيش بضجيج المنصات والأهازيج والشعارات الإقصائية.
مثّلت “وثيقة المنامة” في جوهرها محاولة لترميم ما أفسدته الحرب عبر تقديم مقاربة تزاوج بين الصرامة المهنية والضرورات السياسية، إذ انطلقت من مبدأ وحدة القيادة بوصفه شرطاً لا ينفصم عن وحدة الدولة، ووضعت تصوراً لفك الاشتباك العسكري والسياسي عبر مسارين متوازيين: الأول فني يعتمد على أسس مهنية في الدمج وبناء جيش وطني بعيداً عن الاستقطاب الحزبي، والثاني سياسي يكرّس تبعية الجيش للسلطة المدنية في إطار دولة المواطنة.
وكانت المنامة فرصة لإعادة الاعتبار للمهنية العسكرية بتجريدها من شوائب الولاءات الموازية، ووضع حدٍّ نهائي لظاهرة تعدد الجيوش التي أوردت البلاد موارد الهلاك.
وفي هذا السياق، تأتي أهمية تصريحات الدكتور عبد الله حمدوك حول فشل الشراكة المدنية العسكرية لتؤكد حتمية ضبط العلاقات المدنية العسكرية وفق أسس جديدة لا تقوم على المحاصصة في الحكم، وإنما على الوضوح في المهام، وخروج المؤسسة العسكرية من الفضاء السياسي والنشاط الاقتصادي، وضمان احترافية الجيش وتفرغه لمهامه الدفاعية.
الملاحظ أن الاتفاقيات التي أُبرمت منذ اتفاقية أديس أبابا 1972، مروراً باتفاقية نيفاشا 2005، ثم اتفاقية أبوجا 2006، وصولاً إلى اتفاقية جوبا 2020، قد اشتركت جميعها في إخفاقٍ بنيوي واحد تمثل في عدم التنفيذ الفعلي للترتيبات الأمنية، وعلى رأسها استيعاب الحركات المسلحة وإعادة تدريبها ودمجها أو تسريحها ضمن جيش وطني مهني موحد.
فرغم أن هذا الملف استحوذ على الحيّز الأكبر من نصوص الاتفاقيات، إلا أنه لم يُمنح الأولوية القصوى من حيث الإرادة السياسية أو آليات الرقابة والتنفيذ، مما أدى إلى تكرار الخطأ التاريخي ذاته، وإبقاء تعدد الجيوش ومراكز القوة واقعاً قائماً، وهو ما أفرغ تلك الاتفاقيات من مضمونها الاستراتيجي وأعاد إنتاج أسباب الصراع.
الإصلاح الأمني والعسكري: ميزان الدولة:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك