من خلال الأسافير علمنا بانعقاد ندوة حوارية يوم أمس الاثنين بمدينة بورتسودان تحت مسمى «المجلس التشريعي المرتقب والحركة النقابية السودانية»، نظمها اتحاد المحامين السودانيين بالتضامن والتنسيق مع الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وقد شهدت مشاركة فاعلة من النقابيين وأساتذة الجامعات والكليات الأهلية، إلى جانب زعماء الإدارات الأهلية.
انعقدت هذه الندوة في وقت يمر فيه السودان بلحظة مفصلية في تاريخه الحديث؛ لحظة لم يعد السؤال فيها: من يحكم؟ بل كيف نؤسس حكماً لا ينهار عند أول اختلاف،
لقد علّمتنا التجربة السودانية درساً قاسياً: أي سلطة لا تستند إلى قاعدة شعبية حقيقية تظل سلطة هشّة، مهما ارتفعت شعاراتها.
ومن ثمّ، فإن الطريق إلى الحكم المدني الديمقراطي لا يبدأ من القمة، بل من القاعدة.
الفكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: تشكيل لجان قاعدية منتخبة في الأحياء والقرى عبر آليات شفافة ومعلنة، بإشراف مجتمعي مباشر وبتكلفة محدودة.
هذه اللجان لا تكون بديلاً عن الدولة، بل نواة لإعادة بنائها.
ومن خلال نظام تصعيد ديمقراطي منظم، تنتقل التمثيلية إلى مجالس محلية، ثم إلى مجالس ولائية، وصولاً إلى برلمان قومي تأسيسي ينبثق فعلياً من إرادة الناس لا من صفقات النخب.
وليس هذا الطرح معزولاً عن تجارب عالمية.
ففي جنوب أفريقيا، عقب انتهاء نظام الفصل العنصري، جرى تأسيس العملية الدستورية عبر مشاركة مجتمعية واسعة النطاق، شملت استقبال مقترحات المواطنين وتنظيم حوارات عامة، ما منح الدستور شرعية شعبية عميقة.
كما أن تجربة المجالس القروية المنتخبة في الهند (نظام البانشايات) تُظهر كيف يمكن للبناء القاعدي المحلي أن يشكّل مدرسة سياسية حقيقية، تُفرز قيادات وتُرسّخ ثقافة المشاركة من أسفل إلى أعلى.
هذا المسار لا يلغي الأحزاب ولا النقابات، بل يعيد تعريف أدوارها.
ويمكن تخصيص نسب عادلة لتمثيلها داخل البرلمان التأسيسي، بما يحقق التوازن بين التفويض الشعبي المباشر والخبرة السياسية والتنظيمية المتراكمة.
فالدولة الديمقراطية لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بالشراكة المنضبطة بالقانون.
ويتولى البرلمان التأسيسي، ضمن إطار زمني محدد وغير مفتوح، مهمة واضحة تتمثل في وضع الأسس الدستورية للدولة المدنية، وإرساء مبدأ سيادة القانون، وضمان الفصل الحقيقي بين السلطات، واختيار سلطة تنفيذية انتقالية خاضعة للمساءلة.
غير أن أي مسار تأسيسي سيظل عرضة للفشل ما لم تتوافر ضمانات النزاهة والشفافية، وتمثيل حقيقي للنساء والشباب ومختلف الأقاليم.
كما أن تحديد سقف زمني صارم للمرحلة الانتقالية ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة تحول دون إعادة إنتاج الأزمات.
ويمكن أن تشكل مثل هذه الندوات مدخلاً عملياً لحوار وطني جاد حول هذا المسار، إذا ما انتقلت من إطار النقاش النظري إلى بلورة آليات واضحة ومحددة للتنفيذ.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير الصراعات، بل إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المشاركة الشعبية الواسعة.
فالبناء القاعدي ليس وصفة سحرية، لكنه مسار عملي قادر على تحويل الإرادة العامة من شعار إلى مؤسسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك