تمرّ العلاقات بين الدول بلحظات اختبار تكشف جوهرها الحقيقي.
وتبرز في مثل هذه اللحظات الفوارق بين علاقات تُدار بالانفعال، وأخرى تستند إلى التاريخ والعقل والمصلحة المشتركة.
وتنتمي العلاقة بين السودان ومصر إلى الصنف الثاني، إذ تشكّلت عبر قرون من التداخل الإنساني، والتكامل الاجتماعي، والشراكة في صناعة المصير على ضفاف نهر واحد.
يعيش السودان اليوم مرحلة دقيقة من تاريخه الوطني.
وتفرض الحرب واقعًا أعاد ترتيب الداخل، وأعاد تعريف التحديات، وحمّل الدولة والمجتمع معًا أعباء سياسية وإنسانية وأمنية معقدة.
ولم تُحدث هذه المرحلة تحولات عسكرية فقط، وإنما أفرزت ساحات جديدة للصراع، من بينها ساحة الوعي، وساحة الخطاب العام، وساحة التأثير الإقليمي والدولي.
ويتحرك في هذا السياق الخطاب الإعلامي بوصفه أداة ضغط، وتسعى بعض الأصوات إلى إعادة تفسير الوقائع بما يخدم أهدافًا تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة.
يمثل وجود السودانيين في جمهورية مصر العربية امتدادًا طبيعيًا لهذا التاريخ المشترك.
وتشكّل هذا الوجود عبر عقود طويلة، وتعزّز خلال السنوات الأخيرة بفعل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
واحتضنت المدن المصرية السودانيين بوصفهم جزءًا من نسيج اجتماعي ممتد.
وتشهد الجامعات، والمستشفيات، والأسواق، والأحياء، يوميًا هذا التداخل الذي يعكس عمق العلاقة بين الشعبين.
لقد تعاملت الدولة المصرية -مشكورةً- مع هذا الواقع انطلاقًا من إدراكها لمسؤولياتها القومية، ومن وعيها بحساسية اللحظة الإقليمية.
وجرت إدارة ملف الإقامة والعمل والخدمات ضمن إطار تنظيمي وقانوني هدفه ضبط الواقع وحمايته، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والاجتماعية.
ويعكس هذا النهج فهمًا عميقًا لطبيعة العلاقة مع السودان، وإدراكًا لحجم التحديات التي يفرضها تدفق بشري واسع في زمن إقليمي مضطرب.
يبرز في المقابل خطر توظيف -عدواني ممنهج أيدولوجي تمردي مزدوج- هذا الملف في سياقات سياسية وإعلامية تسعى إلى خلق فجوات في الثقة، وإلى نقل الصراع من ساحته الحقيقية إلى ساحات جانبية.
ويتقاطع هذا التوظيف مع بيئة إقليمية تشهد تنافسًا محمومًا على النفوذ، ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل التوازنات في منطقة وادي النيل والبحر الأحمر.
وأعادت الحرب في السودان فتح هذه الملفات، وجعلت العلاقات الإقليمية هدفًا مباشرًا لمحاولات التأثير وإعادة الاصطفاف.
تقع العلاقات السودانية–المصرية في قلب هذه المعادلة.
وتمس هذه العلاقة الأمن القومي للبلدين، وترتبط مباشرة باستقرار الحدود، وأمن المياه، وسلامة الإقليم بأسره.
وتدرك القاهرة أن استقرار السودان عنصر مركزي في معادلة أمنها الاستراتيجي، وتدرك الخرطوم أن العمق المصري يمثل ركيزة سياسية وجغرافية حاسمة في زمن التحولات الكبرى.
تفرض هذه المعطيات أهمية الخطاب السياسي المسؤول.
ويقوم هذا الخطاب على قراءة الوقائع ضمن سياقها الكامل، والتمييز بين التنظيم الإداري والتأويل السياسي، وإدراك أن حماية العلاقات الاستراتيجية تندرج ضمن صميم المصلحة الوطنية العليا.
ويحتاج السودان في هذه المرحلة إلى تثبيت جبهته الداخلية، وتحصين محيطه الإقليمي، وتوجيه طاقته السياسية نحو إنهاء الحرب، وبناء دولة قادرة على استعادة دورها الطبيعي.
تخوض القوات المسلحة السودانية معركة وجودية دفاعًا عن الدولة ووحدتها.
وتمثل هذه المؤسسة ركيزة الاستقرار، وحائط الصد الأخير أمام تفكك الكيان الوطني.
ويتطلب دعم هذه المعركة بيئة سياسية وإقليمية مستقرة، ويستدعي علاقات متماسكة مع الدول الشقيقة، وفي مقدمتها مصر.
وينعكس أي خطاب يُربك هذه العلاقات مباشرة على مسار الاستقرار، وعلى قدرة الدولة على إدارة معركتها الكبرى.
يندرج وجود السودانيين في مصر ضمن هذا المشهد الوطني الواسع.
ويرتبط هذا الوجود بسياق الحرب، وبمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها داخل الوطن وخارجه.
وتُعالج أوضاعهم عبر القنوات المؤسسية، وبالتنسيق السياسي، وبالاحتكام إلى القانون، وبروح الأخوة التي حكمت العلاقة بين البلدين عبر التاريخ.
ويحقق هذا المسار التوازن بين متطلبات التنظيم واعتبارات الإنسانية.
تزداد في زمن التحولات الكبرى الحاجة إلى الحكمة، وإلى لغة سياسية تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تستنزف.
ويقف السودان ومصر أمام فرصة تاريخية لصيانة علاقتهما من محاولات التشويش، وتحويل هذه المرحلة الصعبة إلى لحظة إعادة تثبيت للشراكة الاستراتيجية على أسس أوضح وأكثر صلابة.
تترسخ في الختام حقيقة وحدة المصير بين السودان ومصر، حقيقة تشكّلت عبر التاريخ، وتأكدت عبر التجارب، وتتطلب اليوم وعيًا سياسيًا يليق بثقلها.
وتمثل حماية هذه العلاقة مسؤولية وطنية، وأمانة تاريخية، وضرورة استراتيجية في زمن تتكاثر فيه التحديات، وتتداخل فيه الجبهات، ويغدو العقل السياسي الرصين أهم أدوات العبور إلى المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك