في مطلع السبعينيات، لم تكن العلاقة بين الجزائر وأبو ظبي مجرد بروتوكولات دبلوماسية باردة، بل كانت تجسيداً لروح عربية أرساها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تشييده لصرح الاتحاد الإماراتي؛ إذ مثلت الجزائر واحدة من أقطاب العمل العربي، وشقيقا وسندا ثوريا لا غنى عنه في بناء هوية الدولة الوليدة.
إلا أن هذا الإرث شهد مع جيل الأبناء تآكلا تدريجيا، طفا كسلسلة من الإرهاصات والتشنجات على سطح المشهد الإعلامي والدبلوماسي، كاشفا عن شرخ عميق تجاوز سوء الفهم العابر.
يعكس واقع العلاقات الجزائرية الإماراتية مع بداية عام 2026 تناقضا جوهريا في الرؤى الإستراتيجية؛ فبينما تصر الجزائر على حماية مجالها الحيوي ومنع التدخلات الخارجية، تتبنى أبو ظبي “حرب مصالح” عابرة للحدود، وضعت البلدين في مسار تصادمي غير مسبوق.
أمام هذا التأزم، يبرز التساؤل: كيف انتقلت الممارسات الإماراتية من وئام التأسيس إلى منطق التفرد، ومن بث الروح العربية إلى مصادمة الخيارات الإستراتيجية للأمة؟ وكيف انتقلت بذلك العلاقات الجزائرية الإماراتية من مربع الاستثمار والتكامل الاقتصادي إلى مسرح المواجهة السيادية؟1.
التأسيس: وشائج الروح العربية وبراغماتية الوجود.
نشأت العلاقات الجزائرية الإماراتية في مطلعها على قاعدة صلبة من الود والاحترام المتبادل، ضمن محيط عربي بُني على عقيدة “الروح العربية الواحدة”؛ إذ لم تكن الجزائر في نظر المؤسس الشيخ زايد مجرد نِدٍّ دبلوماسي، بل “معلما ثوريا” وقيمة سيادية ألهمت شعوب العالم معاني التحرر.
هذا الرابط الوجداني وفّر أرضية خصبة لبناء ثقة متبادلة، جعلت التقاربَ بين البلدين قدرا حتميا تمليه وحدة المصير لا المصالح العابرة.
اقترنت هذه الروح ببراغماتية واعية أدركت حجم “تحديات التأسيس”؛ فالدولة الاتحادية الناشئة كانت بحاجة إلى حاضنة عربية أخوية تمنحها العمق والشرعية في بيئة دولية لا تعترف إلا بالأقوياء.
وجدت الإمارات في الجزائر السند والوزن الدوليين اللازمين لدعم كيان الاتحاد، خاصة عبر الدور المحوري الذي كانت تؤدّيه الجزائر داخل حركة عدم الانحياز كقوة وازنة في القرار الدولي آنذاك، مما ساهم في تعزيز مشروعية الاتحاد في المحافل الأممية، وجعل توطيد العلاقة مع الجزائر صمام أمان حقيقيا ضد إكراهات البدايات وتجاذبات القوى الكبرى.
ولم يقتصر الدعم الجزائري على الجانب الدبلوماسي، بل امتد ليشكل العصب الحيوي لاقتصاد الدولة الناشئة؛ إذ وضعت الجزائر خبراتها الطاقوية تحت تصرُّف الأشقاء، وأوفدت بداية السبعينيات خبراء جزائريين أشرفوا ميدانيا على وضع اللبنات الأولى لتأسيس قطاع البترول الإماراتي وتطويره.
تبلور الدور الإماراتي في تلك الحقبة وفق إستراتيجية انتهجت فيها الدولة تموضعا يقوم على التضامن لا التفرُّد، ففي بيئتها الخليجية، حافظت على انسجام كامل مع الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية ضمن مظلة مجلس التعاون الخليجي، وفي علاقاتها مع الأقطاب العربية الكبرى أدركت أن قوة الفرد مستمَدة من تضامن المجموعة.
لقد كانت السياسة الإماراتية حينها تحترم التوازنات الكبرى، وتعتمد “دبلوماسية مالية” هادئة تتعامل مع الاستثمارات كرسائل مودَّة وقومية، بعيدا عن أي نزعة للتغلغل أو الضغط السياسي؛ وهو ما أرسى استقرارا تاريخيا جعل من الصعب على العقل السياسي الجزائري اليوم تقبُّل انقلاب هذه العقيدة من الوئام التاريخي إلى الصدام، ومن التعاون والتكامل إلى تضارب الأجندات الإستراتيجية.
2.
الجغرافيا الملتهبة: سياسة التطويق وإشعال الأسوار.
انتقلت الإمارات من مربع الهدوء الدبلوماسي و”اليد الحانية”، إلى “اليد الخشنة” والعبث بالداخل الأمني للدول الشقيقة؛ فمن اليمن إلى ليبيا والسودان وفلسطين، بدت الإمارات بوجهٍ مغاير تماما لذاك الوجه السمح الذي عُرفت به تاريخيا، وكأنّ “إمارات الأبناء” لم تعد تعترف بـ”إمارات الوالد”.
في هذا السياق، تبنّت أبو ظبي إستراتيجية هجومية ضد الجزائر يمكن وصفها بـ”إشعال النار في أسوار الحديقة”؛ إذ لم يعد التحرك الإماراتي يكتفي بالمنافسة على المصالح، بل صار يستهدف استقرار المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية بأسلوب “التطويق الجيوسياسي”.
تجلت هذه الإستراتيجية في توزُّع الأدوار حسب طبيعة الوضع الجيوسياسي للدول الجارة؛ ففي الدول التي تعرف اضطرابا عسكريا كليبيا، ومالي، والنيجر، انتهجت الإمارات خيار “التدخل العسكري الخشن” عبر التسليح ودعم ميليشيات أطراف النزاع، لإجهاض الحلول السياسية في تلك الدول، لغاية إرباك الأمن الحدودي الجزائري.
أما في دول التماسّ المستقرّ كتونس، وموريتانيا، والمغرب، فقد وظفت ورقة “المال السياسي” والاستثمارات الضاغطة لمحاولة اختراق المواقف السيادية وخلق اصطفافات جديدة ضد الجزائر.
قرأ صانعُ القرار في الجزائر هذا التواجد الإماراتي الكثيف على حدوده الطويلة والمتداخلة؛ كعملية خنق متعمدة، تهدف إلى إشغال الدولة الجزائرية بملفات أمنية مستنزِفة على أسوارها، لمنعها من ممارسة دورها القيادي الطبيعي والتاريخي في القارة السمراء وفي المحيط العربي.
تقاطع المصالح: الدور والتحالفات والصراع.
لا يمكن قراءة التوتر الراهن بين الجزائر والإمارات بمعزل عن الرؤية الجيوسياسية، وتاريخية التحالفات التي رسمت ملامح المنطقة؛ فبينما استندت الجزائر إلى عقيدة سيادية ثورية متجذرة، عزَّزتها علاقاتٌ إستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي سابقا ثم روسيا كحليف عسكري وموازن دولي، ظل المغرب تاريخيا ضمن المظلة الغربية برعاية أمريكية- فرنسية.
هذا التباين التقليدي، الذي كان يُدار سابقاً بتوازن حذر، انفجر مع خيار الدور الإماراتي الجديد؛ إذ اختارت الإمارات الخروج من عباءة المستثمِر لتصبح “الأداة الوظيفية” لمحور “المغرب- إسرائيل” عبر “الاتفاقية الإبراهيمية” التي يشتركان فيها، وهو ما وضعها في صدام مباشر مع الثوابت الجزائرية تجاه الأمن الإقليمي والقضايا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
في هذا المشهد، برز تقاطعُ المصالح بين الإمارات والمغرب كأداة ضغط ومحاصرة؛ فبينما تسعى الإمارات لتوسيع نفوذها الجيوسياسي عبر المال السياسي، يطمح المغرب لتعزيز مكاسبه في ملفاته الحيوية تحت غطاء هذا التحالف، خاصة حول القضية الصحراوية.
ولم يكن الدور الفرنسي بعيداً عن هذا الحلف؛ إذ وجدت باريس في التمويل الإماراتي والاندفاع المغربي وسيلة لتعويض نفوذها المتراجع في إفريقيا، ومحاوِلة تحجيم الاستقلال الجزائري ومنع الانفكاك من التبعية، وهو الحال الذي يهدد المصالح الفرنسية التقليدية.
لقد وضع هذا “التجمع المصالحي” الجزائر أمام مواجهة مع تحالف هجين يمزج بين الأجندات العابرة للحدود والمصالح الضيقة؛ مما حوّل المنطقة من فرصة للتكامل المغاربي إلى ساحة لصراع المحاور وتنفيذ الأجندات الدولية.
4.
الاقتصاد: من أدوات “التنمية” إلى هواجس الأمن والسيادة.
لم تعد الجزائر تنظر إلى الاستثمارات الإماراتية كفرص اقتصادية معزولة عن السياق السياسي، بل باتت تتعامل معها كملفات إستراتيجية تقتضي أعلى درجات اليقَظة السيادية؛ إذ انتقلت العلاقة من مرحلة الامتيازات المفتوحة إلى مرحلة الشراكة اليقِظة التي تضع المصلحة الوطنية وعلى رأسها الأمن الاستراتيجي للبلاد، فوق كل اعتبار.
ويتجلى هذا التحول في إخضاع خارطة الاستثمارات لمراجعات قانونية وهيكلية دقيقة تجلت في:
– قطاع الموانئ: تجسَّد التوجه السيادي في استرجاع ميناء “جن جن” بجيجل، مع حصر تواجد شركة “موانئ دبي العالمية” (DP World) في إدارة محطة الحاويات بميناء العاصمة، والتي باتت تخضع لرقابة أكثر في ظل حالة من الجمود وغياب آفاق التوسعة.
– صناعة التبغ: خضعت شركة (STAEM) لإعادة هيكلة جوهرية استردَّت بموجبها الدولة الجزائرية حصصا سيادية، مع إخضاعها لتدقيق مالي صارم لمواجهة شبهات التحويلات غير القانونية والتهرُّب الضريبي، وضمان بقائها ضمن الأطر الاقتصادية الشفافة.
– الملف العقاري والطاقوي: حسمت السلطات الجزائرية ملف “دنيا بارك” باسترجاع الوعاء العقاري للمشروع، كونه يقع ضمن نطاق حيوي وحساس بالعاصمة، ومنعاً لأي “رهن جغرافي” قد يمس بالأمن القومي، توازيا مع تجميد التعاون مع شركة “مبادلة للاستثمار” التي تعني قطاع البتروكيميائيات، وذلك لغياب الجدية الاستثمارية.
– الاستثناء العسكري: في مقابل هذه المراجعات، حافظت الصناعات الميكانيكية العسكرية -عبر مشروعي “نمر الجزائر” بخنشلة، ومصنع السيارات “مرسيدس” بتيارت- على استقرارها التشغيلي؛ نظرا لتبعية هذه الاستثمارات المباشرة لوزارة الدفاع الوطني وإشرافها عليها، مما يضمن بقاءها تحت اليقظة والمراقبة الدائمة.
في سياق هذا التحجيم للتواجد الإماراتي في الجزائر، أعلنت الجزائر البدء في إجراءات إلغاء اتفاقية الطيران؛ وهي الخطوة التي تعكس رغبة واضحة في تقليص أدوات “التغلغل الناعم” وفرض التحكم الكامل في المداخل السيادية للدولة.
إن هذا التزاوج المشبوه بين الأجندات الأمنية والتدفقات المالية الإماراتية، هو ما دفع الجزائر نحو المراجعة الشاملة؛ فقد أدركت أن بقاء استثمارات حيوية من دون رقابة صارمة يحولها إلى “خناجر اقتصادية” وأوراق ضغط تلتفُّ على القرار الوطني، في استنساخٍ لما مارسته الأيادي الإماراتية في بلدان عربية أخرى، تارةً تحت غطاء الاستثمار، وتارةً أخرى عبر الحضور في بؤر النزاع.
5.
الإمارات: الدورُ المشبوه والأحداث الكاشفة.
لم تعد الجزائر وحدها من استشعر خطورة التحول الجذري في العقيدة السياسية الإماراتية؛ إذ كشفت الأحداث عن دور تفكيكي للإمارات، استهدف -عبر العديد من الأحداث- ضرب الإجماع والشرعية العربية؛ فمن تقويض تماسك مجلس التعاون الخليجي عبر حادثة حصار قطر، إلى محاولات توظيف “الإغاثة” كأداة اختراق وتجسُّس ضد المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى احتضان وترويج بدائل سياسية تخدم أجندة الاحتلال، وهو ما وضع أبو ظبي في تضادٍّ صارخ مع المصالح العربية.
* من اليمن إلى ليبيا والسودان وفلسطين، بدت الإمارات بوجهٍ مغاير تماما لذاك الوجه السمح الذي عُرفت به تاريخيا، وكأنّ “إمارات الأبناء” لم تعد تعترف بـ”إمارات الوالد”.
في هذا السياق، تبنّت أبو ظبي إستراتيجية هجومية ضد الجزائر يمكن وصفها بـ”إشعال النار في أسوار الحديقة”؛ إذ لم يعد التحرك الإماراتي يكتفي بالمنافسة على المصالح، بل صار يستهدف استقرار المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية بأسلوب “التطويق الجيوسياسي”.
* في هذا المشهد، برز تقاطعُ المصالح بين الإمارات والمغرب كأداة ضغط ومحاصرة؛ فبينما تسعى الإمارات لتوسيع نفوذها الجيوسياسي عبر المال السياسي، يطمح المغرب لتعزيز مكاسبه في ملفاته الحيوية تحت غطاء هذا التحالف، خاصة حول القضية الصحراوية.
ولم يكن الدور الفرنسي بعيداً عن هذا الحلف؛ إذ وجدت باريس في التمويل الإماراتي والاندفاع المغربي وسيلة لتعويض نفوذها المتراجع في إفريقيا، ومحاوِلة تحجيم الاستقلال الجزائري ومنع الانفكاك من التبعية، وهو الحال الذي يهدد المصالح الفرنسية التقليدية.
* هذا التزاوج المشبوه بين الأجندات الأمنية والتدفقات المالية الإماراتية، هو ما دفع الجزائر نحو المراجعة الشاملة؛ فقد أدركت أن بقاء استثمارات حيوية من دون رقابة صارمة يحولها إلى “خناجر اقتصادية” وأوراق ضغط تلتفُّ على القرار الوطني، في استنساخٍ لما مارسته الأيادي الإماراتية في بلدان عربية أخرى، تارةً تحت غطاء الاستثمار، وتارةً أخرى عبر الحضور في بؤر النزاع.
* أخطر تجليات استهداف الجزائر هو إغراقها بكميات هائلة من المؤثرات العقلية، إذ تقدِّم الحصائل اليومية للشرطة والجيش والجمارك الجزائرية أرقاما لكميات تتجاوز استهلاك الأفراد، تُعد بملايين الأقراص في العملية الواحدة! هذه العمليات تتخذ من المحور الجنوبي والشرقي الجزائري مسلكا لها، ما جعل نفوذ أبو ظبي على جبهة شرق ليبيا، يُقرأ كاستهداف ممنهج لضرب المجتمع الجزائري من الداخل.
وفي ساحات النزاع، تجلى الدور الإماراتي عبر “عسكرة” الأزمات وتغذية الصراعات المباشرة؛ فمن التدخل في اليمن وتمويل الميليشيات وإدارة سجون سرية، إلى الإصرار على دعم ميليشيات خليفة حفتر في ليبيا ضد الحكومة الشرعية في طرابلس المعترف بها دوليا، وصولا إلى الذروة المأساوية في السودان عبر الدعم العسكري لـ”قوات الدعم السريع” المتمردة بقيادة حميدتي، ما دفع الحكومة السودانية إلى تقديم شكوى رسمية للأمم المتحدة تتهم الإمارات صراحةً بتمويل التمرُّد والتورُّط في جرائم إبادة وتهجير.
هذا الدور أدى إلى انتفاضة السعودية للتحذير العلني من أدوار أبو ظبي ومطالبتها بالانسحاب فورا من اليمن.
هذا التدخل الخشن في دول تتسم بالاضطراب الأمني، رافقه نهجٌ آخر في الدول المستقرة عبر محاولات اختراق المشهد السياسي والإعلامي بتوظيف المال السياسي لتجنيد نخب ومراكز نفوذ، وهو ما رُصدت محاولاته في مصر وتونس وموريتانيا والمغرب والجزائر.
وأخطر تجليات استهداف الجزائر هو إغراقها بكميات هائلة من المؤثرات العقلية، إذ تقدِّم الحصائل اليومية للشرطة والجيش والجمارك الجزائرية أرقاما لكميات تتجاوز استهلاك الأفراد، تُعد بملايين الأقراص في العملية الواحدة!
هذه العمليات تتخذ من المحور الجنوبي والشرقي الجزائري مسلكا لها، ما جعل نفوذ أبو ظبي على جبهة شرق ليبيا، يُقرأ كاستهداف ممنهج لضرب المجتمع الجزائري من الداخل.
غير أن السقوط الأكبر لنظام أبو ظبي تجلى فيما عُرف بـ”وثائق إبستين”، والتي كشفت عن ارتهان مفاصل في سلطة أبو ظبي لشبكات ابتزاز دولية؛ إذ وردت أسماء من قمة الهرم الاقتصادي والدبلوماسي، مثل “سلطان أحمد بن سليم” و”هند العويس”؛ الأمر الذي يفسِّر تحوُّل القرار الإماراتي إلى “أداة وظيفية” مرتهَنة لدوائر ضغط خارجية.
إن هذا الانقلاب المنهجي على منطق الدولة قدّم أحداثا كاشفة بأن “براغماتية الأبناء” باتت مقامرة عابرة للحدود، لا تراعي قيم الأمة ولا المصالح العربية ولا القانون الدولي؛ لتُقرأ تحذيراتُ الجزائر السابقة، اليوم كـ”نبوءة سياسية” وشرح دقيق لخرابٍ عملت أبو ظبي على تعميمه.
يؤكد المشهد الحالي للعلاقات الجزائرية الإماراتية، أننا لسنا أمام خلاف دبلوماسي عابر، بل أمام صدام حتمي بين إرادتين: إرادة جزائرية تاريخية متمسِّكة بقدسية الدولة الوطنية واستقلال قرارها، وإرادة إماراتية متحوِّلة تراهن على “المال السياسي” وتوظيف الأزمات لتوسيع النفوذ.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية، من استنزاف السيادة في اليمن والسودان وليبيا، وصولاً إلى محاولات التغلغل الاقتصادي في تونس وموريتانيا والمغرب والجزائر، ثم الاعتداء السافر على المقاومة في فلسطين، أن “براغماتية الأبناء” قد تنصَّلت من إرث المؤسس الشيخ زايد، الذي كان يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يُفرِّق.
إن القرارات السيادية المتتالية التي اتخذتها الجزائر، من استرجاع العقارات الإستراتيجية وتطهير قطاع الموانئ والتبغ، وصولا إلى إجراءات إلغاء اتفاقية الطيران، تمثل “إعلانا صريحا عن مبدأ رفض الارتهان الاقتصادي أو الاختراق السياسي؛ وانتصارا لمنطق الدولة على منطق المقامرة، لتؤكد الجزائر أن سيادتها خط أحمر لا يقبل القسمة، ولا تخضع للمساومة تحت أي غطاء استثماري.
أمام هذا المشهد الدولي القاتم، خاصة بعد انكشافات وثائق ابستين، يُطرح التساؤل الجوهري: ما الذي يدفع دولة تتمتع بكل هذا الرفاه المالي والرخاء الاقتصادي الذي يغنيها عن أي مغامرة، إلى الانحدار نحو هذا الدور المشبوه والعدائي؟إن دعوة “أبناء زايد” اليوم إلى العودة لحكمة الأب، وعدم التمادي في أدوار وظيفية مدمِّرة، هو مطلبٌ واجب ومستعجل؛ فما يُقدِمون عليه هو تدمير لمكانة الإمارات قبل أن يكون استهدافا للدول الشقيقة أو ضربا للإجماع العربي؛ هذا الإجماعُ الذي قد تأتيه الفرصة والظروف ليرتفع يوما إلى مستوى التحدي الاستراتيجي المفروض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك