مع بزوغ شمس اليوم الأول من شهر رمضان، وفي اللحظات التي تلت تناول عائلة سلهب وجبة السحور واستعداد أفرادها لبدء يومهم الاعتيادي، باغتت آليات الاحتلال الإسرائيلي وجرّافاته العسكرية، يرافقها رتل من مركبات الإدارة المدنية التابعة للجيش، محيط مجمع العائلة السكني الواقع جنوب مدينة الخليل، جنوبي الضّفة الغربية؛ لتفرض حصارا ينبئ ببدء فصلٍ جديد من فصول معاناة العائلة.
يقول محمد سلهب أحد سكّان المجمّع وهو يروي لـ" العربي الجديد" حسرة المشهد: " حاصرت قوّات الاحتلال بكافة أجهزتها الأمنية مجمّعنا وأجبرتنا تحت تهديد السّلاح على المغادرة دون السماح لنا بحمل أي شيء من مقتنيات المنزل".
ويضيف: " غادرنا قسراً وحين حاولنا الاستفسار عن السبب، اكتفوا بجواب مقتضب (هذا المنزل سيهدم)، وطالبناهم بإبراز قرار المحكمة الذي يشرعن هذا الفعل، فلم نلقَ آذانا صاغية".
ويتابع: " حمل أحد أطفال العائلة حقيبته المدرسية، لكنّ الجنود أجبروه على تركها (.
) ولم يكتفوا بإخلاء المنازل، بل استمروا في مطاردتنا ودفعنا بعيدا عن محيطها لمسافة تزيد عن كيلومتر إلى الشرق نحو منطقة خربة قلقس، لنقف هناك عاجزين نرقب ركام الذكريات".
ما هدمه الاحتلال ليس مجرّد جدران كانت تأوي عائلات، بل هو مجمع سكني يضم عدة منازل وطوابق؛ بناية ضخمة مكونة من ثلاثة طوابق على مساحة تتجاوز 400 متر مربع، تحتضن ست شقق سكنية، وتلاصقها بناية أخرى من طابقين تضم أربع شقق.
يقول سلهب: " في هذه المنازل، كنا نعيش نحن الأشقاء الأربعة مع أبنائنا المتزوجين؛ عشر عائلات يزيد عدد أفرادها عن أربعين فردا، ما بين أطفال وشيوخ ونساء.
جميعنا، في لحظة واحدة، أصبحنا في العراء".
ولم تكن هذه الهجمة الأولى على ممتلكات العائلة، إذ يشير سلهب إلى أنه قبل نحو أسبوع، هدمت قوّات الاحتلال" بركسات" وكراجات مخصصة لتصليح المركبات كانت تقع بجانب المنازل وتعد مصدر رزق العائلة الأساسي.
ويتذكر سلهب تفاصيل بدء استهداف مجمع العائلة بالهدم منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، (قبل أقل من 6 أشهر) حين تسلّمت العائلة إخطارات بالهدم رغم امتلاك أوراق (طابو) رسمية صادرة عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، تثبت ملكيتّهم للأرض المقام عليها المجمع السكني".
ويضيف: " بل إن المنزل الأساسي الذي أقيم عليه المجمع مسجل رسميا ومقامٌ قبل قيام دولة الاحتلال أصلاً، إلا أن ذلك لم يشفع لنا بعدم الهدم".
يتابع سلهب: " تحركنا فور استلام الإخطارات وجمّعنا كافة الوثائق اللازمة، توجهنا بها إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، كما لجأنا إلى المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان في القدس -سانت إيف- لخوض المسار القضائي، وقبل عشرة أيام فقط، أُبلغنا برفض طلبنا، فقررنا الذهاب للمحكمة العليا الإسرائيلية".
بعد ذلك، دفعت عائلة سلهب الرسوم للمحكمة التي بلغت نحو 7500 شيكل (حوالي 2.
400 دولار)، إلا أنّهم فوجئوا اليوم ببدء عملية الهدم دون سابق إنذار، ودون انتظار صدور قرار نهائي من المحكمة.
وتقف العائلة اليوم بلا بديل ولا مأوى، يقول سلهب: " ولدت هنا، بلغت من العمر ستين عاما، ولا أعرف مكانا آخر سواه، لن نبرح هذه الأرض؛ ولو نصبنا خيمة، أو اتخذنا من مركبة بيتا لنا، لن نرحل".
يضيف سلهب: " كلّ المؤسسات المحلّية تعرف معاناتنا الطويلة، وما تعرضنا له من اعتقالات ومضايقات مستمرة من الاحتلال والمستوطنين على مدار عقود، لكن لا أحد يستطيع حمايتنا من حكومة الاحتلال التي تقودها هذه العصابات".
ويؤكد أن الاحتلال" يتذرع بأن البناء دون ترخيص، رغم أن بيتنا القديم مسجل في" الطابو" ونتلقى خدماتنا من بلدية الخليل ومقيدون في سجلاتها الرسمية، لكن يبدو أن القانون يُطوع فقط لخدمة سياسة التهجير".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك